جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿هُوَ الّذِي جَعَلَ الشّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاّ بِالْحَقّ يُفَصّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض هُوَ الّذِي جَعَلَ الشّمْسَ ضِياءً بالنهار والقَمَرَ نُورا بالليل، ومعنى ذلك : هو الذي أضاء الشمس وأنار القمر، وَقَدّرَهُ مَنازِلَ يقول : قضاه فسوّاه منازل لا يجاوزها، ولا يقصر دونها على حال واحدة أبدا. وقال : وَقَدّرَهُ مَنازِلَ فوحده، وقد ذكر الشمس والقمر، فإن في ذلك وجهين : أحدهما أن تكون الهاء في قوله : وَقَدّرَهُ للقمر خاصة، لأن بالأهلّة يعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس. والآخر : أن يكون اكتفي بذكر أحدهما عن الاَخر، كما قال في موضع آخر : وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أحَقّ أنْ يُرْضُوهُ وكما قال الشاعر :
| رَمانِي بأمْر كُنْتُ مِنْهُ وَوَالدِي | بَرِيّا وَمِنْ جُولِ الطّوِيّ رَمانِي |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض= (هو الذي جعل الشمس ضياء)، بالنهار= (والقمر نورًا) بالليل. ومعنى ذلك: هو الذي أضاء الشمسَ وأنار القمر= (وقدّره منازل)، يقول: قضاه فسوّاه منازلَ، لا يجاوزها ولا يقصر دُونها، على حالٍ واحدةٍ أبدًا. (١)
* * *
وقال: (وقدّره منازل)، فوحّده، وقد ذكر "الشمس" و"القمر"، فإن في ذلك وجهين:
أحدهما: أن تكون "الهاء" في قوله: (وقدره) للقمر خاصة، لأن بالأهلة يُعرف انقضاءُ الشهور والسنين، لا بالشمس.
والآخر: أن يكون اكتفي بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال في موضع آخر: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، [سورة التوبة: ٦٢]، وكما قال الشاعر: (٢)
| رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي | بَرِيًّا، وَمِنْ جُولِ الطَّوِيِّ رَمَانِي (٣) |
(٢) هو ابن أحمر، أو: الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي.
(٣) معاني القرآن للفراء ١: ٤٥٨، اللسان (جول)، وغيرهما. وكانت بينه وبين رجل حكومة في بئر، فقال خصمه: " إنه لص ابن لص "، فقال هذا الشعر، وبعده:
| دَعَانِي لِصًّا فِي لُصُوصٍ، ومَا دَعَا | بِهَا وَالِدِي فِيمَا مَضَى رَجُلاَن |