ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

وقد سبق هذا المجيء بالتحدي أسباب عجزهم عن النجاح في التحدي ؛ لأن الآية السابقة تقرر أن الكتب السماوية السابقة تصدق نزول القرآن الكريم، وبينها وبين القرآن تصديق متبادل.
فهم مهزومون فيه قبل أن ينزل.
ويقول الحق سبحانه وتعالى : قل فأتوا بسورة مثله.. ( ٣٨ ) [ يونس ] : وقد جاء التحدي مرة بالكتاب في قوله الحق سبحانه : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا( ٨٨ ) [ الإسراء ] : ولم يستطيعوا، فنزلت درجة التحدي ؛ وطالبهم أن يأتوا : بعشر سور مثله مفتريات.. ( ١٣ ) [ هود ] : فلم يستطيعوا الإتيان بعشر سور، فطالبهم أن يأتوا بسورة تقترب-ولو من بعيد- من أسلوب القرآن، فلم يستطيعوا فأتوا بسورة مثله.. ( ٢٣ ) [ البقرة ] : فكيف-إذن-من بعد كل ذلك يدعون أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن، وهو صلى الله عليه وسلم لم تكن له صلة بالأساليب البلاغية أو الفصاحة ؟ !
لقد دعاكم أن تأتوا بكل الفصحاء والبلغاء ليفتروا، ولو سورة من مثله، ووضع شرطا فقال : وادعوا من استطعتم من دون الله.. ( ٣٨ ) [ يونس ] : لأن الله سبحانه وتعالى هو القادر الوحيد على أن ينزل قرآنا ؛ لذلك دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعوا الشركاء ؛ وذلك حتى لا يقول الكفار وبعضهم من أهل اللجاجة( ١ ) : سندعو الله ؛ ولذلك يأتي القرآن بالاستثناء وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين.. ( ٣٨ ) . وهم بطبيعة الحال غير صادقين في هذا التحدي.
والله-سبحانه وتعالى-حين يرسل رسولا إلى قوم ؛ ليعلمهم منهجه في حركة الحياة، إنما يريد سبحانه أن تؤدي حركة الحياة على الغاية المطلوبة من الإنسان الخليفة في الأرض ؛ ولذلك يأتي الرسول من جنس المرسل إليهم ؛ ليكون أسوة لهم ؛ لأن الرسول إن جاء ملكا لما صحت الأسوة، بل لابد أن يكون بشرا( ٢ ).
والحق سبحانه لا يرسل أي رسول إلا ومعه بينة ودليل صدق على أنه رسول يبلغ عن الله تعالى.
والبينة لا بد أن تكون من جنس نبوغ ( ٣ )القوم، فلا يأتي لهم بمعجزة في شيء لم يعرفوه ولم يألفوه ؛ حتى لا يقولوا : لو تعلمنا هذا لجئنا بمثل ما جاء.
وقد جاء القرآن ليثبت عجزهم عما نبغوا فيه من صناعة الكلام ؛ شعرا ونثرا وخطابة.
وكان القرآن هو معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم فصحاء يعقدون لشعر أسواقا، ويعلقون الفائز من هذا الشعر على جدران الكعبة شهرة له وشهادة به.
إذن : فهم أصحاب دراية بصناعة الكلام، وجاءت المعجزة مع الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغوا فيه ؛ لتتحداهم. والتحدي يستدعي استجماع قوة الخصم ؛ ليرد على هذا المتحدي، فإذا عجز مع التحدي، يصير العجز ملزما.
وقد تحدى الحق سبحانه العرب جميعا بالقرآن كله : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا( ٤ )( ٨٨ ) [ الإسراء ] : فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، فتدرج القرآن معهم في التحدي فطلب منهم ما هو أقل من ذلك، وهو أن يأتوا بعشر سور مثله في قوله تعالى : قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات.. ( ١٣ ) [ هود ]، ثم تحداهم بالإتيان بمثل سورة من القرآن. وعند التأمل نجد أن الأسلوب الذي جاء بطلب سورة كان على لونين : فمرة يقول : بسورة مثله.. ( ٣٨ ) [ يونس ]، ومرة يقول : بسورة من مثله.. ( ٢٣ ) [ البقرة ]، وكل من اللونين بليغ في موضعه ف بسورة مثله.. ( ٣٨ ) تبين أن المثلية هنا محققة، أي : مثل ما جاء من سور القرآن. وقوله : بسورة من مثله.. ( ٢٣ ) [ البقرة ] : أي : سورة من مثل محمد-صلى الله عليه وسلم-في أنه لم يجلس على معلم، ولم يقرأ، ولا عرف عنه أنه تكلم بالبلاغة في أي فترة من مراحل حياته قبل الرسالة( ٥ ).
وقال الحق سبحانه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) [ يونس ]، إذن : بسورة من مثله.. ( ٢٣ ) [ البقرة ] : أي : مثل محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يتعلم وكان أميا، ولكن لماذا يأتي هذا اللون من التحدي ؟ لأنهم قالوا إن القرآن : أساطير( ٦ ) الأولين اكتتبها( ٧ ) فهي تملى عليه بكرة وأصيلا( ٥ ) [ الفرقان ]. بل واتهموه في قمة غفلتهم أنه يتعلم من رجل كان بمكة، فيلفتهم القرآن إلى أن الرجل-الذي قالوا إنه معلم للرسول صلى الله عليه وسلم-كان أعجميا غير عربي، يقول الحق سبحانه : لسان الذي يلحدون( ٨ ) إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين( ١٠٣ ) [ النحل ]. ويزيد الحق سبحانه أن يصنفهم،

١ اللجاجة: التمادي في الجدال والمراء..
٢ لذلك قال رب العزة:قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا(٩٥)[الإسراء] فالرسول يكون من جنس من أرسل إليهم،ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون(٩)[الأنعام]..
٣ النبوغ: الإجادة والبراعة في علم أو فن معين.[المعجم الوسيط]..
٤ الظهير: المعين والمساعد. قال تعالى:فلا تكونن ظهيرا للكافرين..(٨٦)[القصص]. وذهب بعض العلماء إلى أن التحدي كان مقصودا به الإنس فقط دون الجن، لأن الجن ليسوا مكن أهل اللسان العربي، وإنما ذكرهم الله في الآية تعظيما لإعجاز القرآن، لأن عجزهما معا عن أن يأتوا بمثله دليل على أن الفريق الواحد منهم أعجز.[انظر: البرهان في علوم القرآن-للزركشي ٢/١١١]..
٥ وفي تفسير هذه الآية قول ثالث ذكره القرطبي في تفسيره(١/٢٧٧) فقال:"من مثله..(٢٣)}[البقرة] أي: من مثل التوراة والإنجيل. فالمعنى: فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه" وكل من هذه الأقوال صواب ومحتمل..
٦ الأساطير: جمع أسطورة. أي: مما سطره الأولون وكتبوه. والأساطير أيضا: الأباطيل، وأحاديث باطلة لا أصل لها قد سطرها وألفها الأولون.[لسان العرب مادة: سطر]..
٧ اكتتبها: طلب من النساخ نسخها له..
٨ يلحدون إليه: يميلون إليه. واختلف المفسرون في تسمية هذا الرجل الذي قال المشركون أن محمدا صلى الله عليه وسلم تعلم منه، وليس المهم البحث عن اسمه. بل المهم أنه أعجمي فكيف يعلم محمدا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العربي..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير