بل كذّبوا أي : سارعوا إلى التكذيب بما لم يُحيطُوا بعلمه وهو القرآن، بحيث لم يستمعوه، ولم يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه، حتى يعلموا أحق هو أم لا، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علماً، من ذكر البعث والجزاء، وسائر ما يخالف دينهم، ولمَّا يأتهم تأويلُهُ أي : ولم يقفوا بعدُ على تأويله، ولم تبلغ أذهانهم معانيه، أو لم يأتهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبار بالغيوب، حتى يتبين لهم أنه صدق أو كذب، والمعنى : أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى، ثم إنهم فاجؤوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه، ويتصفحوا معناه.
ومعنى التَّوقع في لمَّا : أنه قد ظهر بالآخرة إعجازه ؛ لمّا كرر عليهم التحدَّي ؛ فزادوا أذْهانهم في معارضته ؛ فتضاءلت دونها، أو لمّا شاهدوا وقوع ما أخبر به طبق ما أخبر مراراً فلم يقلعوا عن التكذيب تمرداً وعناداً. قاله البيضاوي. قال ابن جزي : لمَّا يأتهم ما فيه من الوعيد لهم، أي : وسيأتيهم يوم القيامة أو قبله.
كذلك كذَّب الذين من قبلهم أنبياءهم، فانظر كيف كان عاقبةُ الظالمين ، فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي