وكأن المسافة بين نطق فرعون بالأمر وبين تنفيذ الأمر هي أضيق مسافة وقتية، وذلك حتى نفهم أن أمر صاحب السلطان لا يحتمل من الناس التأجيل أو التباطؤ في التنفيذ.
والقرآن حينما يعالج أمرا من الأمور فهو يعطي صورة دقيقة للواقع، ولا يأتي بأشياء تفسد الصورة.
يقول الحق سبحانه : فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون( ٨٠ ) [ يونس ] : وفي هذه الآية تلخيص للموقف كله، فحين علم السحرة أن فرعون يحتاجهم في ورطة( ١ ) تتعلق بالحكم، فهذه مسألة صعبة وقاسية، وعليهم أن يسرعوا إليه.
ولم يأت الحق سبحانه هنا بالتفصيل الكامل لذلك الموقف ؛ لأن القصة تأتي بنقاطها المختلفة في مواضع أخرى من القرآن، وكل آية توضح النقطة التي تأتي بذكرها( ٢ ).
لذلك لم يقل الحق سبحانه هنا : إن أعوان فرعون نادوا في المدائن( ٣ ) ليأتي السحرة، مثلما جاء في مواضع أخرى من القرآن( ٤ ).
ولم يقل لنا إن السحرة أرادوا أن يستفيدوا من هذه المسألة، وقالوا للفرعون( ٥ ) :
.. إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين( ١١٣ ) [ الأعراف ] : ووضع مثل هذا الشرط يوضح لنا بطبيعة العلاقات في ذلك المجتمع، فطلبهم للأجر، يعني أن عملهم مع الفرعون من قبل ذلك كان تسخيرا وبدون أجر، ولما جاءتهم الفرصة ورأوا الفرعون في أزمة ؛ طالبوا بالأجر.
ووعدهم فرعون بالأجر، وكذلك وعدهم أن يكونوا مقربين( ٦ ) ؛ لأنهم لو انتصروا بالسحر على معجزة موسى ؛ ففي ذلك العمل محافظة وصيانة للملك، ولا بد أن يصبحوا من البطانة المستفيدة، ووعدهم الفرعون بذلك شحذا لهمتهم ليبادروا بإبطال معجزة موسى ؛ ليستقر عرش الفرعون.
وشاء الحق سبحانه الإجمال هنا في هذه الآية-التي نحن بصدد خواطرنا عنها-وجاء ببقية اللقطات في المواضع الأخرى من القرآن.
وهنا يقول الحق سبحانه : فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون( ٨٠ ) [ يونس ] : وألقى السحرة عصيهم وحبالهم.
٢ وهذه ميزة القصص القرآني في الإشارة على قصصه عدا قصة يوسف عليه السلام..
٣ المدائن: جمع مدينة، وهي القرى الكبيرة. وقد ورد هذا الجمع في القرآن خاصا بقصة موسى ثلاث مرات، أما المفرد منه فقد جاء ١٤ مرة منها ٤ مرات خاصة بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم [التوبة: ١٢٠، ١٠١][الأحزاب: ٦٠] [المنافقون: ٨]..
٤ وذلك في قوله تعالى عن سحرة فرعون:قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين(١١١)[الأعراف]، وقال تعالى:قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين(٣٦)[الشعراء]..
٥ فرعنة: الفرعنة الكبر والتجبر، وفرعون الذي ذكر في كتاب الله ترك صرفه في قول بعضهم؛ لأنه لا سمى له وكإبليس فيمن أخذه من أبلسه. وقال ابن سيده: عن فرعون علم أعجمي. ولذلك لم يصرف. الجوهري: فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر، وكل عات فرعون، والعتاة الفراعنة، وقد تفرعن، وهو فرعنة أي دهاء وتكبرا. وقيل: الفرعون بلغة القبط: التمساح (لسان العرب) وقيل في القاموس القويم: فرعون لقب يسمى به كل ملك في مصر في الزمن القديم، وفرعون موسى هم منفتاح، وقيل رمسيس الثاني. والعبرة بالأحداث لا بذات فرعون، قال تعالى:اذهب إلى فرعون إنه طغى(٣٤)[طه] والله أعلم...
٦ ساقطة وذلك أن السحرة عندما طلبوا الأجر بقولهم:.. إن لنا لأجر إن كنا نحن الغالبين(١١٣)[الأعراف] قال فرعون:.. نعم وإنكم لمن المقربين(١١٤)[الأعراف] فزادهم القرب منه فوق الأجر؛ لذلك جاء عقابه لهم شديدا بعدما اتبعوا موسى؛ لأن ما وعدهم به كان عظيما، فجاء العقاب على قدره..
تفسير الشعراوي
الشعراوي