ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين( ١ )( ٩٠ ) :
قال الحق سبحانه :
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر.. ( ٩٠ ) : لأن الاجتياز لم يكن بأسباب بشرية، بل بفعل يخرج عن أسباب البشر، فلو أن موسى عليه السلام قد حفر نفقا تحت الماء، أو لو كان قد ركب سفنا هو وقومه لكان لهم مشاركة في اجتياز البحر، لكن المجاوزة كانت بأسباب غير ملحوظة بالنسبة للبشر، فالحق سبحانه هو الذي أوحى لموسى : اضرب بعصاك البحر.. ( ٦٣ ) [ الشعراء ] : ومياه البحر كأية مياه أخرى تخضع لقانون السيولة، والاستطراق( ٢ ) هو وسيلة السيولة، وهي عكس التجمد الذي يتسم بالتحيز.
والاستطراق هو الذي قامت عليه أساليب نقل المياه من صهاريج المياه التي تكون في الأغلب أعلى من طول أي منزل، ويتم ضخ المياه إليها ؛ لتتوزع من بعد ذلك حسب نظرية الأواني المستطرقة على المنازل، أما إذا كانت هناك بناية أعلى طولا من الصهريج، هنا يقوم سكان المبنى بتركيب مضخة لرفع المياه على الأدوار العالية.
وإذا كان قانون البحر هو السيولة والاستطراق، فكيف يتم قطع هذا الاستطراق ؟
يقول الحق سبحانه : .. فكان كل فرق كالطود العظيم( ٦٣ ) [ الشعراء ].
فكيف تحول الماء إلى جبال يفصل بينها سراديب وطرق يسير فيها موسى عليه السلام وقومه ؟
كيف يسير موسى وقومه مطمئنين ؟
لا بد أنها معية الله سبحانه التي تحميه، وهي تفسير لقول الحق سبحانه : .. إن معي ربي سيهدين( ٦٢ ) [ الشعراء ].
ورغم ذلك يتبعهم فرعون وجنوده لعله يدركهم، وأراد سيدنا موسى-عليه السلام- بمجرد نجاحه في العبور هو وقومه أن يضرب البحر بعصاه ؛ ليعود إلى قانون السيولة، ولو فعل ذلك لما سمح لفرعون وجنوده أن يسيروا في الممرات التي بين المياه التي تحولت إلى جبال، ولكن الله-سبحانه وتعالى-يريد غير ذلك، فقد أراد الحق سبحانه أن ينجي ويهلك بالشيء الواحد، فأوحى لموسى عليه السلام : واترك البحر رهوا( ٣ ) إنهم جند مغرقون( ٢٤ ) [ الدخان ] : أي : اترك البحر على حاله ؛ فينخدع فرعون وجنوده، وما إن ينزل آخر جندي منهم إلى الممر بين جبال الماء ؛ سيعود البحر إلى حالة السيولة فيغرق فرعون وجنوده، وينجو موسى وقومه.
ويقول الحق سبحانه : فأتبعهم فرعون وجنوده.. ( ٩٠ ) [ يونس ] : فهل كان هذا الإتباع دليل إرادة الشر ؟
أكان من الممكن أن تكون نية الفرعون أن يدعو موسى وقومه إلى العودة إلى مصر ليستقروا فيها ؟
لا، لم تكن هذه هي نية الفرعون ؛ لذلك قال الحق سبحانه عن هذا الإتباع : بغيا وعدوا.. ( ٩٠ ) [ يونس ] : أي : أنه إتباع رغبة في الانتقام والإذلال والعدوان.
ويصور القرآن الكريم لحظة غرق فرعون بقوله : حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت.. ( ٩٠ ) [ يونس ] : والإدراك : قصد للمدرك أن يلحق بالشيء، والغرق معنى، فكيف يتحول المعنى إلى شيء يلاحق الفرعون ؟
نعم، فكأن الغرق جندي من الجنود، وله عقل ينفعل ؛ فيجري إلى الأحداث : .. حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من : المسلمين( ٤ )( ٩٠ ) [ يونس ] : والإيمان إذا أطلق فهو الإيمان بالقوة العليا، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى قد قال : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا.. ( ١٤ ) [ الحجرات ] : لأن الإيمان يتطلب انقياد القلب، والإسلام يقتضي إتباع أركان الإسلام، فالإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قل آمنت بالله ثم استقم " ( ٥ ). وفي هذا القول ذكر محدد بأن الإيمان إنما يكون لله الأعلى.
لكن لو قلت-مثلا :" آمنت أنك رجل طيب " فهذا إيمان له متعلق، أما إذا ذكر الإيمان بإطلاق فهو ينصرف إلى الإيمان بالله تعالى ؛ ولذلك قال الله سبحانه للأعراب :
ولكن قولوا أسلمنا.. ( ١٤ ) [ الحجرات ].
وهنا يأتي القول على لسان فرعون : .. آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين( ٩٠ ) [ يونس ].
والخلاف هنا كان بين الفرعون كجهة كفر، وبين موسى وهارون وقومهما كجهة إيمان، وأعلن فرعون إيمانه، وقال أيضا : .. وأنا من المسلمين( ٩٠ ) [ يونس ]، ولم يقبل الله ذلك منه بدليل قول الحق سبحانه :
آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين( ٦ )( ٩١ ) :

١ اتبعهم: اتبع أثرهم؛ ليدركهم. وكان موسى وقومه بنو إسرائيل في خروجهم ستمائة ألف وعشرين ألفا، وتبعهم فرعون مصبحا في ألفي ألف وستمائة ألف. بغيا وعدوا: أي: في حال بغي وظلم واعتداء. وقال المفسرون: بغيا: طلبا للاستعلاء بغير حق في القول،"وعدوا" في الفعل. أدركه الغرق: ناله ووصله. قال آمنت: أي: صدقت، أو آمنت-والإيمان لا ينفع حينئذ، والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس.[ذكره القرطبي في تفسيره (٤/٣٣٠٥، ٣٣٠٤)-بتصرف]..
٢ الاستطراق: عدة أنابيب مختلفة الأحجام والأشكال، متصل بعضها ببعض بأنبوبة أفقية، فإذا وضع سائل في إحدى هذه الأنابيب ارتفع سطح السائل إلى مستوى أفقي واحد في جميع الأنابيب.[المعجم الوسيط-مجمع اللغة العربية]..
٣ قال الزهري: رهوا ساكنا من نعت موسى، أي: على هينتك. قال: وأجود منه أن تجعل رهوا من نعت البحر، وذلك أنه قام فرقاه ساكنين فقال لموسى: دع البحر قائما ماؤه ساكنا واعبر أنت البحر.[ذكره ابن منظور في اللسان، مادة: رها] فقوله تعالى:واترك البحر رهوا..(٢٤)[الدخان] أي: ساكن الأمواج ليغتروا فينزلوا فيه.
.

٤ وأنا من المسلمين، أي: من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة. وهو قول متأخر جدا جاء بعد فوات الأوان..
٥ عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسال عنه أحدا بعدك. قال:"قل آمنت بالله ثم استقم". أخرجه مسلم في صحيحه(٣٨) وأحمد في مسنده (٤/٣٨٥).
.

٦ قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: هو من قول جبريل. وقيل: ميكائيل، أو غيرهما من الملائكة-عليهم السلام- وقيل: هو من قول فرعون في نفسه، ولم يكن ثم قول باللسان، بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال حيث لم تنفعه الندامة. ونظيره:إنما نطعمكم لوجه الله..(٩)[الإنسان] أثنى عليهم الرب سبحانه بما في ضميرهم، لا لأنهم قالوا ذلك بلفظهم. والكلام هنا هو كلام القلب.[ذكره القرطبي في تفسيره ٤/٣٣٠٦]-بتصرف..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير