ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم( ١ )( ٩٧ ) :
إذن : فمجيء الآيات وتكرارها لن يفيدهم في الاتجاه إلى الإيمان ؛ لأن الحق سبحانه يعلم أنهم سيتوجهون باختيارهم إلى الكفر ؛ فقد قالوا-من قبل-ما أورده الحق سبحانه في كتابه العزيز : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا( ٢ )( ٩٠ ) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا( ٩١ ) أو تسقط السماء كما زعمت كسفا( ٣ ) أو تأتي بالله والملائكة قبيلا( ٤ )( ٩٢ ) أو يكون لك بيت من زخرف( ٥ ) أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحانه ربي هل كنت إلا بشرا رسولا( ٦ ) ( ٩٣ ) [ الإسراء ].
وكأن الحق سبحانه يأمر رسوله أن يقول موضحا : لست أنا الذي ينزل الآيات، بل الآيات من عند الله تعالى، ثم يأتي القرآن بالسبب الذي لم تنزل به تلك الآيات التي طلبوها، فيقول سبحانه : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون.. ( ٥٩ ) [ الإسراء ] : إذن : فقد نزلت آيات كثيرة لمن سبق في المعاندة والمعارضة، ويقابل قضية عرض الإيمان عليه بكفر يملأ قلبه.
فإن كان هناك من يبحث عن الإيمان فليدخل على بحث الإيمان بدون معتقد سابق، ولينظر إلى المسألة، وما يسمح به قلبه فليدخله فيه ؛ وبهذا الاختيار القلبي غير المشروط بمعتقد سابق هو قمة القبول.
وقد قال الحق سبحانه في الآيات السابقة كلاما في الوحدانية، وكلاما في الآيات المعجزات، وكلاما في صدق النبوة، وكلاما عن القيامة، وقصّ لنا سبحانه بعضا من قصص مواكب الرسل، من نوح عليه السلام، ثم فصَّل قليلا في قصة موسى وهارون عليهما السلام، ثم سيأتي من بعد ذلك بقصة يونس عليه السلام.
ونحن نلحظ أن الحق سبحانه جاء بقصة نوح عليه السلام في إطناب( ٧ )، ثم جاء بخبر عن رسل لم يقل لنا عنهم شيئا، ثم جاء بقصة موسى وهارون عليهما السلام، ثم سيأتي من بعد ذلك بقصة يونس عليه السلام، فالسورة تضم ثلاثا من الرسالات : رسالة نوح، ورسالة موسى وهارون، ورسالة يونس، وهو الرسول الذي سميّت السورة باسمه.
ولسائل أن يقول : ولماذا جاء بهؤلاء الثلاثة في هذه السورة ؟
وأقول : لقد تعبنا كثيرا، ومعنا كثير من المفسرين حتى نتلمّس الحكمة في ذلك، ولماذا لم تأت في السورة قصة هود، وثمود، وشعيب، وكان لا بد أن تكون هناك حكمة من ذلك.
هذه الحكمة فيما تجلى لنا أن الحق سبحانه وتعالى يعرض موكب الرسالة وموكب المعارضين لكل رسول، والنتيجة التي انتهى إليها أمر الأعداء، وكذلك النتيجة التي انتهى إليها أمر الرسول ومن آمن به.
ونجد الذين ذكرهم الله سبحانه هنا قد أهلكوا إهلاكا متحدا بنوع في الجميع، فإهلاك قوم نوح كان بالغرق، وكذلك الإهلاك لقوم فرعون كان بالغرق، وكذلك كانت قصة سيدنا يونس لها علاقة بالبحر، فقد ابتلعه الحوت وجرى في البحر.
إذن : فمن ذكر هنا من الرسل كان له علاقة بالماء، أما بقية الموكب الرسالي فلم تكن لهم علاقة بالماء.
ونحن نعرف أن الماء به الحياة، وبه الإهلاك ؛ لأن واهب الحياة يهب الحياة بشيء، ويهلك بالشيء نفسه. وكأن الحق سبحانه يبيّن لنا الحكمة : أنا أهلكت بالغرق هناك، ونجَّيت من الغرق هنا.
إذن : فطلاقة القدرة الإلهية هي المستولية على هذه السورة، كما تظهر طلاقة القدرة في مجالات أخرى، وبألوان أخرى( ٨ ).
وسمّيت هذه السورة باسم يونس ؛ لأن الحق سبحانه أرسله إلى أكثر من مائة ألف( ٩ )، وهم الأمة الوحيدة في هذا المجال التي استثناها الحق سبحانه من الإهلاك، فقد أغرق قوم نوح، وأغرق قوم فرعون ؛ فكلاهما قد كذب الرسل، ولكن قوم يونس أول ما رأوا البأس( ١٠ ) آمنوا فأنجاهم الله سبحانه.
وسميت السورة باسم من نجا ؛ لأنه عاد إلى الحق سبحانه قبل أن يعاين العذاب، ولكنهم رأوا فقط بشائر العذاب، فنجّوا أنفسهم بالإيمان.
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :
فلولا( ١١ ) كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين( ١٢ )( ٩٨ ) :
٢ الينبوع: العين التي لا ينضب ماؤها..
٣ كسفا: قطعا. والكسف: السحاب المقطع قطعا، ومنه قوله تعالى:ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله..(٤٨)[الروم]..
٤ قبيلا: متقابلين. والمراد رؤيتهم عيانا..
٥ الزخرف هنا: هو الذهب. والزخرف: الزينة، وقد يقصد به التمويه والتزوير وتزيين الكذب، ومنه قوله تعالى:وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا..(١١٢)[الأنعام]..
٦ ينبوعا: عينا تنبع لنا بالماء ببلدنا هذا. جنة: بستان. فتفجر الأنهار: بأرضنا هذه التي نحن بها. خلالها: يعني: خلال النخيل والكروم. وخلالها: بينها في أصولها. تفجيرا: سيلا يسيل بينها. كسفا: قطعا. قبيلا: مقابلة أو جميعا، فنعاينهم معاينة. زخرف: ذهب. ترقي: تصعد في درج إلى السماء.[مختصر تفسير الطبري: ص٣٢٥، ٣٢٤] بتصرف..
٧ الإطناب والمساواة والإيجاز من فنون البلاغة فالإطناب: شرح بإفاضة. والمساواة: مساواة اللفظ للمعنى. والإيجاز: اللفظ القليل للمعنى الكبير ولكل مقام مقاله.[شرح دلائل الإعجاز] بتصرف..
٨ من طلاقة القدرة توظيف الشيء في ضده مثل النار، فوظيفتها الإحراق ولكنها كانت على سيدنا إبراهيم بردا وسلاما. والماء به الحياة وفيه الغرق، وبه النجاة؛ فقد نجى الله سبحانه موسى عليه السلام وأغرق به فرعون..
٩ يقول سبحانه:وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون(١٤٧)[الصافات] وهم من قرية "نينوى" جهة الموصل بالعراق الحالية..
١٠ البأس: العذاب. يقول تعالى:كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا..(١٤٨)[الأنعام]. ويقول:وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا او هم قائلون(٤)[الأعراف]. والبأس: شدة الحرب، يقول تعالى:والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس..(١٧٧)[البقرة]. والبأس: القوة. يقول تعالى عن قوم بلقيس ملكة سبأ حين شاورتهم في أمر سليمان:قالوا نحن أولوا قوة وبأس شديد..(٣٣)[النمل].
١١ لولا: حرف شرط لا يعمل ويدل على امتناع الجواب لوجود الشرط، وجملة الشرط (اسمية) ويحذف الخبر وجوبا إذا كان كونا عاما وإذا وليها مضمر يكون ضمير رفع منفصل [القاموس القويم]..
١٢ فلولا كانت قرية آمنت..(٩٨): يقول عز وجل: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نزل بهم بأس الله إلا قوم يونس..(٩٨) قيل: إنهم لما أظلهم العذاب، وظنوا أانه قد دنا منهم، وفقدوا يونس، قذف الله في قلوبهم التوبة، وفرقوا بين كل أنثى وولدها، وعجوا-أي: رفعوا صوتهم بالتلبية-إلى الله أربعين ليلة؛ فلما عرف صدق توبتهم كشف عنهم العذاب... ومتعناهم إلى حين(٩٨): لم نعاجلهم بالعقوبة، واستمتعوا بآجالهم في الدنيا، على حين مماتهم ووقت فناء أعمارهم.[مختصر تفسير الطبري: ص ٢٤٢، ٢٤١]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي