فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ومَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ٩٨ ولَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ٩٩ ومَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ١٠٠
هذه الآيات الثلاث تفريع على اللواتي قبلهن وتكميل لهن في بيان سنة الله في الأمم مع رسلهم، وفي خلق البشر مستعدين للأمور المتضادة من الإيمان والكفر، وفي تعلق مشيئة الله وحكمته بأفعاله وأفعال عباده ووقوعها على وفقها.
ولَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أي لو شاء ربك أيها الرسول الحريص على إيمان الناس أن يؤمن أهل الأرض كلهم جميعا لا يشذ أحد منهم لآمنوا، بأن يلجئهم إلى الإيمان إلجاء، ويوجره في قلوبهم إيجارا، ولو شاء لخلقهم مؤمنين طائعين كالملائكة، لا استعداد في فطرتهم لغير الإيمان، وفي معنى هذا قوله تعالى : ولو شاء الله ما أشركوا [ الأنعام : ١٠٧ ] وقوله : ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة [ هود : ١١٨ ]، والمعنى الجامع في هذه الآيات أنه لو شاء الله ألا يخلق هذا النوع المسمى بالإنسان المستعد بفطرته للإيمان والكفر، والخير والشر، الذي يرجح أحد الأمور الممكنة المستطاعة له على ما يقابله ويخالفه بإرادته واختياره، لفعل ذلك، ولما وجد الإنسان في الأرض، ولكن اقتضت حكمته أن يخلق هذا النوع العجيب ويجعله خليفة في الأرض، كما تقدم بيانه في قصة آدم في سورة البقرة وفي آيات أخرى، هكذا خلق الله الإنسان منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به كما تقدم.
أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ أي إن هذا ليس في استطاعتك أيها الرسول، ولا من وظائف الرسالة التي بعثت بها أنت وسائر الرسل إن عليك إلا البلاغ [ الشورى : ٤٨ ] وما أنت عليهم بجبار [ ق : ٤٥ ] وهذه أول آية نزلت في أن الدين لا يكون بالإكراه، أي لا يمكن للبشر ولا يستطاع، ثم نزل عند التنفيذ لا إكراه في الدين [ البقرة : ٢٥٦ ]، أي لا يجوز ولا يصح به، وذكرنا في تفسيرها سبب نزولها، وهو عزم بعض المسلمين على منع أولادهم كانوا تهودوا من الجلاء مع بني النضير من الحجاز، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخيروهم، وأجمع علماء المسلين على أن إيمان المكره باطل لا يصح. لكن نصارى الإفرنج ومقلديهم من أهل الشرق لا يستحون من افتراء الكذب على الإسلام والمسلمين، ومنه رميهم بأنهم كانوا يكرهون الناس على الإسلام و يخيرونهم بينه وبين السيف يقط رقابهم، على حد المثل " رمتني بدائها وانسلت ".
تفسير المنار
رشيد رضا