ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك :
ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين( ١ ) ( ٩٩ ) :
والحق سبحانه وتعالى يبين لنا أنه إن قامت معركة بين نبي مرسل ومعه المؤمنون به، وبين من كفروا به، فلا بد أن ينزل الحق سبحانه العذاب بمن كفروا. وإياك أن تفهم أن الحق سبحانه يحتاج إلى عبادة الناس ؛ لأن الله عزّ وجل قديم أزليّ بكل صفات الكمال فيه قبل أن يخلق الخلق، وبكماله خلق الخلق، وقوته سبحانه وتعالى في ذاته، وهو خالق من قبل أن يخلق الخلق، ورازق قبل أن يخلق الرزق والمرزوق، والخلق من آثار صفات الكمال فيه، وهو الذي أوجد كل شيء من عدم.
ولذلك يسمّون صفاته سبحانه وتعالى صفات الذات ؛ لأنها موجودة فيه من قبل أن يوجد متعلقها.
فحين تقول : حيّ، ومحي، فليس معنى ذلك أن الله تعالى موصوف ب " محي " بعد أن وجد من يحييه، لا، إنه محي، وبهذه الصفة أحيا.
ولله المثل الأعلى، وهو سبحانه منزّه عن كل تشبيه : قد نرى المصوّر أو الرسام الذي صنع لوحة جميلة، هنا نرى أثر موهبة الرسم التي مارسها، واللوحة ليست إلا أثرا لهذه الموهبة.
الحق سبحانه وتعالى-إذن-له كل صفات الكمال قبل أن يخلق الخلق، وبصفات الكمال خلق الخلق.
فإياك أن تفهم أن هناك أمرا قد جدّ على الله تعالى، فلا شيء يجدّ على الحق سبحانه، وهو سبحانه لا ينتفع من خلقه بل هو الذي ينفعهم.
ونحن نعلم أن الإيمان مطلوب من الإنسان، وهو الجنس الظاهر لنا ونحن منه، ومطلوب من جنس آخر أخبرنا عنه الله-تبارك وتعالى-وهو الجن( ٢ ). وأما بقية الكون فمسبح( ٣ ) مؤمن بالله تعالى، والكون عوالم لا حصر لها، ولكل نظام لا يحيد عنه. ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يدخل الثقلين-الإنس والجن- في نظام التسخير ما عزّ عليه ذلك، لكن هذا التسخير يثبت له القدرة ولا يثبت له المحبوبية.
ولذلك ترك الحق سبحانه الإنسان مختارا ليؤمن أو لا يؤمن، وهذا ما يثبت له المحبوبية إن جئته مؤمنا، وهذا يختلف عن إيمان القسر والقهر، فالإيمان المطلوب من الإنسان أو الجن هو إيمان الاختيار.
وأما إيمان القسر والقهر، فكل ما في الكون من عوالم مؤمن بالحق سبحانه، مسبّح له.
والحق سبحانه وتعالى يقول :
وإن من شيء إلا بتسبيح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. ( ٤٤ ) [ الإسراء ].
وهذا ليس تسبيح( ٤ ) دلالة ورمز، بل هو تسبيح حقيقي، بدليل قوله سبحانه وتعالى : ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. ( ٤٤ ) [ الإسراء ] : فإن فقّهك الله تعالى في لغاتهم لعلمت تسبيح الكائنات، بدليل أنه علّم سليمان عليه السلام منطق الطير( ٥ )، وسمع النملة تقول : .. يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون( ١٨ ) [ النمل ] : والهدهد قال لسليمان عليه السلام ما رآه عن بلقيس ملكة سبأ : وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون( ٢٤ ) [ النمل ] : إذن : فكل ما في الكون مسبح لله تعالى، يسير على منهجه سبحانه ما عدا المختار من الثقلين : الإنسان والجان ؛ لأن كلا منهما فيه عقل، وله ميزة الاختيار بين البدائل.
ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن خلق للإنسان الاختيار حتى يذهب المؤمن إليه اختيارا، ولو شاء الحق سبحانه وتعالى أن يجبر الإنسان على الإيمان لفعل.
أقول ذلك حتى لا يقولن أحد : ولماذا كل هذه المسائل من خلق وإرسال رسل، وتكذيب أناس، ثم إهلاك المكذبين ؟
ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين( ٩٩ ) [ يونس ] : إذن : فالحق سبحانه خلق الإنسان وسخّر له كل الأجناس، ولم يجبره على الإيمان، بل يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم : لعلك باخع( ٦ ) نفسك ألا يكونوا مؤمنين( ٣ ) [ الشعراء ].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم محبا مخلصا لقومه وعشيرته، وذاق حلاوة الإيمان، وحزن لأنهم لم يؤمنوا، فينبهه الحق سبحانه وتعالى أن عليه مهمة البلاغ فقط، فلا يكلف نفسه شططا( ٧ ).
والحق سبحانه وتعالى شاء أن يجعل للإنسان حق الاختيار وسخر له الكون، ومن الناس من يؤمن، ومن الناس من يكفر، بل ومن المؤمنين من يطيع مرة، ويعصى أخرى، وهذه هي مشيئة الحق ليتوازن الكون، فكل صفة خيّرة إن وجد من يعارض فيها فهذا ما شاءه الله سبحانه وتعالى للإنسان، فلا تحزن يا رسول الله ؛ فالحق سبحانه وتعالى شاء ذلك.
وإن غضب واحد من أن الآخرين لم يعترفوا بصفاته الطيبة نقول له : إن الحق سبحانه هو خالق الكون وهو الرزاق، قد كفروا به وألحدوا، وجعلوا له شركاء، فتخلّقوا بأخلاق الله ؟
ولذلك قال الحق سبحانه : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين( ٩٩ ) [ يونس ] : إنه سبحانه وتعالى يريد إيمان المحبة وإيمان الاختيار.
٢ وذلك في قوله سبحانه وتعالى:وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون(٥٦)[الذاريات]..
٣ يقول رب العزة سبحانه:تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن..(٤٤)[الإسراء]. ويقول تعالى:سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم(١)[الحشر]..
٤ تسبيح الدلالة والرمز نلحظه يقينا فغي حركة الجماد وحركة ونمو وتنفس النبات، وحركة ونمو وتنفس وغريزة الحيوان، وحركة ونمو وتنفس وتعقل الإنسان؛ فكل حركة لها محرك، وفي الحركة تسبيح، وفوق ذلك نجد للأرض والسماء بكاء في قوله تعالى:فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين(٢٩)[الدخان]، والبكاء يصدر عن عاطفة والعاطفة تصدر عن علم، وهذه المراتب تسبيح بحقيقة لا يدركها عقل وقد يحسها قلب..
٥ فرب العزة سبحانه يقول عن سليمان عليه السلام:وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين(١٦)[النمل]..
٦ باخع: أي: مهلك نفسك، أي: مما تحرص وتحزن عليهم لعدم إيمانهم. وهذه تسلية من الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار. كما قال تعالى:فلا تذهب نفسك عليهم حسرات..(٨)[فاطر]. وكقوله سبحانه:فلعلك باخع نفسك على آثارهم..(٦)[الكهف].
قال مجاهد وعكرمة وآخرون: باخع نفسك: أي: قاتل نفسك. وقد قال الشاعر:
ألا أيهذا الباخع الحزن نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر
[ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/٣٣١)[ بتصرف..
٧ الشطط: الجور ومجاوزة القدر في كل شيء، والمقصود: لا تظلم نفسك، ولا تتجاوز الحد في الحزن عليهم. ومنه قوله تعالى عن الخصمين اللذين طلبا حكم داود بينهما، فقالا له:.. فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط وأهدنا إلى سواء الصراط(٢٢)[ص]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي