ﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

شرح المفردات : والحق : هو ما تقرر من حقيقة ثابتة أرشد إليها دليل قاطع، أو عيان ومشاهدة، أو شريعة صحيحة جاء بها نبي معصوم. والصبر : قوة للنفس تدعوها إلى احتمال المشقة في العمل الطيب، وتهون عليها احتمال المكروه في سبيل الوصول إلى الأغراض الشريفة. والتواصي بالحق : أن يوصي بعضهم بما لا سبيل إلى إنكاره وهو كل فضيلة وخير، والتواصي بالصبر : أن يوصي بعضهم بعضا به ويحثه عليه، ولا يكون ذلك نافعا مقبولا إلا إذا كمل المرء نفسه به، وإلا صدق عليه قول أبي الأسود الدؤلي :
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيم
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فاعتقدوا اعتقادا صحيحا أن للعالم كله إلها خالقا قادرا يرضى عن المطيع ويغضب على المعاصي، وأن هناك فرقا بين الفضيلة والرذيلة، فدفعهم ذلك إلى عمل البر والخير، وجماع ذلك نفع المرء نفسه، ونفعه للناس أجمعين.
وخلاصة أمرهم : أنهم باعوا الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات، فيا لها من صفقة ما أربحها، ومنقبة جامعة للخير ما أوضحها.
وتواصوا بالحق أي وأوصى بعضهم بعضا بالأمر الثابت الذي لا سبيل إلى إنكاره، ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره، وهو الخير كله : من إيمان بالله عز وجل، واتباع لكتبه ورسله في كل عقد وعمل.
وتواصوا بالصبر أي وأوصى بعضهم بعضا بالصبر عن المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم الجبلة البشرية، وعلى الطاعات التي يشق عليها أداؤها، وعلى ما يبتلي الله تعالى به عباده من المصايب، ويتلقاها بالرضا ظاهرا وباطنا، فلابد للنجاة من الخسران أن يعرف الناس الحق ويلزموه أنفسهم، ويمكنوه من قلوبهم، ثم يحمل بعضهم بعضا على سلوك طريقه، وأن يبعدوا بأنفسهم وبغيرهم عن الأوهام والخيالات التي لا قرار للنفوس عليها، ولا دليل يهدي إليها.
وخلاصة ما سلف : إن الناس جميعا في خسران إلا من اتصفوا بأربعة أشياء : الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فيعملون الخير ويدعون إلى العمل به، ولا يزحزحهم عن الدعوة إليه ما يلاقونه من مشقة وبلاء.
والإنسان جميعه خسر مساعيه وضلّ مناهجه، وصرف عمره في غير مطالبه، فهو قد جاء إلى الأرض ليخلص نفسه من الرذائل ويتحلى بالفضائل، حتى إذا رجع إلى عالم الأرواح كان أقوى جناحا، وأمضى سلاحا، لكنه حين رجع إلى مقره في عالم السماوات بالموت لم يجد إلا نقصا يحيط به، وجهلا يُرديه، فندم، إلا طائفة منه عاشوا في الدنيا مفكرين، فآمنوا بأنبيائهم، وصدقوا برسلهم، وأحبّوا بني جنسهم، وأحسنوا إلى إخوانهم فساعدوهم بأنفسهم وأموالهم، وصاروا معهم متعاضدين متعاونين، وصبروا على ما نزل بهم من الحدثان ورموا به من البهتان، فهؤلاء في الدنيا يفوزون بما يريدون، وفي الآخرة بالنعيم يفرحون.
جعلنا الله في زمرة أولئك العاملين الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير