ولما تسبب عن هذا الرمي هلاكهم، وكان ذلك بفعل الله تعالى ؛ لأنه الذي خلق الأثر قطعاً، لأنّ مثله لا ينشأ عنه ما نشأ من الهلاك، قال الله تعالى : فجعلهم أي : ربك المحسن إليك بإحسانه على قومك لأجلك بذلك كعصف مأكول أي : كورق زرع أكلته فراثته فيبس وتفرّقت أجزاءه، شبه قطع أوصالهم بتفرّق أجزاء الروث. قال مجاهد : العصف ورق الحنطة. وقال قتادة : هو التبن. وقال عكرمة : كالحبّ إذا أكل وصار أجوف ؛ لأنّ الحجر كان يأتي في الرأس فيحرق بما له الحرارة وشدّة الوقع كلما مرّ به حتى يخرج من الدبر، ويصير موضع تجويفه أسود لما له من النارية. وقال ابن عباس : هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف له، وروي أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في جوفه فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة، وعن عكرمة : من أصابه جدره، وهو أوّل جدري ظهر. وعن أبي سعيد الخدري أنه سئل عن الطير فقال : حمام مكة منها، وقيل : جاءت عشية ثم صبحتهم.
واختلف في تاريخ عام الفيل، فقيل : كان قبل مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، وقيل : بثلاث وعشرين سنة.
والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن عائشة قالت : رأيت سائس الفيل وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس، وقال عبد الملك بن مروان لعتاب بن أسيد : أنت أكبر أم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال : النبيّ صلى الله عليه وسلم أكبر مني، وأنا أسنّ منه، ولد صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس ؛ بل قيل : لم يكن بمكة أحد إلا رأى قائد الفيل وسائسه أعميين يتكففان الناس ؛ لأنّ عائشة مع صغر سنها رأتهما. وقال ابن إسحاق : لما ردّ الله تعالى الحبشة عن مكة المشرّفة عظمت العرب قريشاً، وقالوا : أهل الله، قاتل عنهم، وكفاهم مؤنة عدوّهم، فكان ذلك نعمة من الله عليهم.
وقال بعض العلماء : كانت قصة الفيل مما نعدّه من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وإن كانت قبله ؛ لأنها كانت توكيداً لأمره وتمهيداً لشأنه.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني