ﭶﭷ

فويل للمُصَلِّين الذين هم عن صلاتهم ساهون غير مبالين بها.
قال الكواشي عن بعضهم : ليس المراد السهو الواقع في الصلاة، الذي لا يكاد يخلو منه مسلم، فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يسهو، ويُعضد هذا ما رُوي عن أنس أنه قال : الحمد لله الذي لم يقل " في صلاتهم " ؛ لأنهم لمّا قال :" عن صلاتهم " كان المعنى : أنهم ساهون عنها سهو ترك وقلة مبالاة والتفات إليها، ولو قال :" في صلاتهم " كان المعنى : أنّ السهو يعتريهم وهم في الصلاة، والخلوص من هذا شديد. وقيل " عن " بمعنى " في "، أي : في صلاتهم ساهون. ثم قال عن ابن عطاء : ليس في القرآن وعيد صعب إلاّ وبعده وعيد لطيف، غير قوله : فويل للمصلِّين.. الآية، ذكر الويل لمَن صلاّها بلا حضور في قلبه، فكيف بمَن تركها رأساً ؟ فقيل له : ما الصلاة ؟ فقال : الاتصال بالله من حيث لا يعلم إلاّ الله. ثم قال الكواشي : ومما يدل على أنَّ مَن شَرَعَ في الصلاة خالصاً لله، واعترضه السهو مع تعظيمه للصلاة ولشرائع الإسلام، ليس بداخل مع هؤلاء : أنه وصفهم بقوله : الذين هم يراؤون . ثم قال : وفي اجتناب الرياء صُعوبة عظيمة، وفي الحديث :" الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على المسح الأسود " ١. وقال بعضهم : هم الذين لا يُخلصون لله عملاً، ولا يُطالبون أنفسهم بحقيقة الإخلاص، ولا يَرِد عليهم وارد من ربهم يقطعهم عن رؤية الخلق والتزيُّن لهم. هـ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الدين هو إحراز الإسلام والإيمان والإحسان، فمَن جمع هذه الثلاث تخلّص باطنه، فكان فيه الشفقة والرأفة والكرم والسخاء، وتحقق بمقام الإخلاص، وذاق حلاوة المعاملة، وأمّا مَن لم يظفر بمقام الإحسان فلا يخلو باطنه من عُنف وبُخل ودقيق رياء، ربما يصدق عليه قوله تعالى : أرأيت الذي يُكذِّب بالدين فذلك الذي يَدُعُّ اليتيم.. الخ. وقال القشيري في قوله تعالى : فويل للمُصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون : يُشير إلى المحجوبين عن أسرار الصلاة ودقائقها، الساهين عن شهود مطالعها وطرائقها، الغافلين الجاهلين عن علومها وأحكامها، الذين هم يُراؤون في أعمالهم وأحوالهم، بنسبتها وإضافتها إلى أنفسهم الظلمانية، ويمنعون الماعون أي : ما يُفيد السالك إلى طريق الحق، من الإرشاد والنُصح، وانظر عبارته نقلتها بالمعنى. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير