وهنا نجد الضراء هي الموجودة، والنعماء هي التي تطرأ، عكس الحالة الأولى، حيث كانت الرحمة-من خير ويسر- هي الموجودة.
فالنزع في الأولى طرأ على رحمة موجودة، والنعماء طرأت على ضرّاء موجودة.
وهناك فرق بين نعماء ونعمة، وضراء وضر ؛ فالضر هو الشيء الذي يؤلم النفس، والنعمة هي الشيء الذي تتنعم به النفس.
لكن التنعّم والألم قد يكونان في النفس، ولا ينضح أي منهما على الإنسان، وإن نضح على الإنسان أثر النعمة يقال فيها " نعماء "، وإن نضح عليه أثر من الضر يقال :" ضراء ".
وهنا يقول الحق سبحانه : ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني.. ( ١٠ ) [ هود ] : ولا يفطن من يقول ذلك إلى المذهب الذي أذهب السيئات ؛ لأن السيئة لا تذهب وحدها.
ولو كان القائل مؤمنا لقال : رفع الله عني السيئات. لكنه غير مؤمن ؛ لذلك يغرق في فرح كاذب وفخر لا أساس له.
ويصفه الحق سبحانه وتعالى بقوله : .. إنه لفرح فخور( ١٠ ) [ هود ] : وكأن الفرح بالنعمة أذهله( ١ ) عن المنعم، وعمن نزع منه السيئة.
وأما الفخر، فنحن نعلم أن الفخر هو الاعتداد بالمناقب( ٢ )، وقد تجد إنسانا يتفاخر على إنسان آخر بأن يذكر له مناقب وأمجادا لا يملكها الآخر.
ونحن نعلم أن التميز لفرد ما يوجد في المجتمع، ولكن أدب الإيمان يفرض ألا يفخر الإنسان بالتميز.
وذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " ( ٣ ).
وفي إحدى المعارك نجده صلى الله عليه وسلم أن يقول :" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " ( ٤ ). وقد اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك ؛ لأن الكافرين في تلك المعركة ظنوا أنهم حاصروه هو ومن معه وأنه سوف يهرب، لكنه صلى الله عليه وسلم بشجاعته أعلن :" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " ( ٥ ) وكان أقرب المسلمين إلى مكان الأعداء الكافرين وفي مواجهتهم.
ونحن نجد المتصاعدين أو المتنافسين، واحدهم يدخل على الآخر بصوت ضخم ليهز ثقة الطرف الآخر بنفسه.
والفخور إنسان غائب بحجاب الغفلة عن واهب المناقب التي يتفاخر بها، ولو كان مستحضرا لجلال الواهب لتضاءل أمامه، ولو اتجهت بصيرة المتكبر والفخور إلى الحق سبحانه وتعالى لتضاءل أمامه، ولردّ كل شيء إلى الواهب.
ومثال ذلك في القرآن الكريم هو قول الحق سبحانه على لسان صاحب موسى عليهما السلام : وما فعلته( ٦ ) عن أمري.. ( ٨٢ ) [ الكهف ] : وهذا سلوك العابد المتواضع.
أما حال الفخورين اللاهين عن الحق سبحانه وتعالى، فقد صوره القرآن في قول قارون : إنما أوتيته( ٧ ) على علم عندي.. ( ٧٨ ) [ القصص ].
وكان مصيره هو القول الحق : فخسفنا( ٨ ) به وبداره الأرض.. ( ٨١ ) [ القصص ].
ولذلك قلنا : إنك تحصن كل نعمة عندك بقولك عند رؤيتها :" بسم الله ما شاء الله " ؛ لتتذكر أن هذه النعمة لم تأت بجهدك فقط، ولكنها جاءت لك أولا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وذلك لتبقى عين الواهب حارسة للنعمة التي عندك.
أما حين تنسى الواهب فلن يحفظ تلك النعمة لك. ونحن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع الفرح المنبعث عن انشراح الصدر والسرور بنعمة الله بل طلبه منا في قوله سبحانه : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. ( ٥٨ ) [ يونس ] :
ولكن الحق سبحانه يطلب من المؤمن أن لا يكون الفرح المنبعث لأتفه الأسباب، والملازم له، وإلا كان من الفرحين الذين ذمهم الله تعالى( ٩ ).
٢ مناقب: جمع منقبة، وهي كرم الفعل. وكريم المناقب: حسن الخلق كريم الفعال.[اللسان] بتصرف..
٣ أخرجه مسلم في صحيحه(٢٢٧٨) والبيهقي في دلائل النبوة(٥/٤٧٦) من حديث أبي هريرة. وعند الحاكم في مستدركه (٢/٦٠٤) وصححه من حيث جابر بن عبد الله بلفظ:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر" دون ذكر يوم القيامة..
٤ نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على جده عبد المطلب، لا إلى أبيه عبد الله، فقد كان عبد المطلب مشهورا شهرة ظاهرة شائعة، وكان سيد أهل مكة، وكان مشتهرا عندهم أن عبد المطلب بشر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه سيظهر، وسيكون شأنه عظيما، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم تذكيرهم بذبك وتنبيههم بأنه صلى الله عليه وسلم لابد من ظهوره على الأعداء، وأن العاقبة له لتقوى نفوسهم. نقله النووي في شرحه لصحيح مسلم(١٢/٣٦٠)..
٥ وذلك أن رجلا سأل البراء بن عازب: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال البراء: ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، وكانت هوزان يومئذ رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، وهو يقول:"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب".
أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٧٦) كتاب الجهاد، والبخاري في صحيحه(٤٣١٧) من حديث البراء بن عازب..
٦ المقصود ما فعله الخضر عليه السلام من: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار الذي كان سينهار..
٧ أوتيته: أي: اكتسبته. يقصد المال الذي رزقه الله إياه، ولكن قارون ادعى أن علمه هو الذي جلب له المال، فكفر بنعمة الله عليه، فاستحق عقاب الله..
٨ الخسف: خسف الله الأرض: جعلها تهبط وتغور يقول الحق:فخسفنا به وبداره الأرض..(٨١)[القصص] وخسف القمر: نقص نوره، وخسوف الشمس يقع في أواخر الشهر العربي في أيام المحاق، وسببه توسط القمر بين الأرض والشمس، فيحجب القمر الشمس، فإن كان الحجب كليا كان خسوفا، وإن كان جزئيا كان كسوفا. وجاء في اللسان الخسف: سؤوخ الأرض بما عليها أي: ابتلاعها ما فوقها. وخسف الله به الأرض أي: أغابه فيها. القاموس القويم باختصار..
٩ فقال عن قوم موسى أنهم قالوا لقارون:.. لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين(٧٦)[القصص] أي: الأشرين البطرين الذين لا يعترفون بنعمة الله عليهم. وقال تعالى:لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم..(٢٣)[الحديد]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي