ثم بين أصل الأعمال وأفضلها، وهي الاستقامة، فقال :
فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الْلَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذالِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
قلت :( ومن تاب ) : عطف على فاعل ( استقم ) ؛ للفصل.
يقول الحق جل جلاله : فاستقمْ يا محمد كما أُمرت ، و ليستقم من تابَ معك من الكفر وآمن بك. وهي شاملة للاستقامة في العقائد، كالتوسط بين التشبيه والتعطيل، بحيث يبقى العقل مصوناً من الطرفين، وفي الأعمال ؛ من تبليغ الوحي، وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط ولا إفراط. وهي في غاية العسر. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :" شَيَّبَتنِي هُود " ١ قاله البيضاوي.
قال المحشي الفاسي : واللائق أن إشفاقه عليه الصلاة والسلام من أجل أمته لا من أجل نفسه ؛ لأجل نفسه ؛ لأجل عصمته، وإنما أشفق عليهم لتوعد اللعن لهم بقوله :
لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [ الأعراف : ١٦ ]. ه. قلت : ولا يعبد أن يكون أشفق عليه الصلاة والسلام من صعوبة استقامته التي تليق به، فبقدر ما يعلو المقام يطلب بزيادة الأدب، وبقدر ما يشتد القرب يتوجه العتاب. ولذلك كان الحق تعالى يعاتبه على ما لا يعاتب عليه غيره. وقد قالوا : حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد تقدم كلام الإحياء في قوله : أَلا بُعداً لِعَادٍ ٢ [ هود : ٦٠ ].
ثم قال تعالى : ولا تَطْغَوا ؛ ولا تخرجوا عما حد لكم، إنه بما تعملون بصير ، فيجازيكم على النقير والقطمير، وهو تهديد لمن لم يستقم، وتعليل للأمر والنهي.
فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات : كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحِلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات.
وأما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالاً كان أو مقاماً أو كرامة، أو غير ذلك : كما قال الششتري رضي الله عنه :
وقوله تعالى : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا : هو نهي عن صحبة الغافلين والميل إليهم. قال بعض الصوفية : قلب لبعض الأبدال : كيف الطريق إلى التحقيق، والوصول إلى الحق ؟ قال : لا تنظر إلى الخلق ؛ فإن النظر إليهم ظلمة، قلت : لا بد لي، قال : لا تسمع كلامهم ؛ فإن كلامهم قسوة : قلت : لا بد لي، قال : لا تعاملهم ؛ لأن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت : أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم ؟ قال : لا تسكن إليهم ؛ فإن السكون إليهم هلكة. قلت : هذا لعله يكون ؟ قال : يا هذا، أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة، وقلبك مع غير الله عز وجل ! ! هيهات ! هذا ما لا يكون أبداً. هـ. ونقل الورتجبي عن جعفر الصادق : ولا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظلمَة. هـ. فلا تلْتَفِت في السَّير غيراً، وكلُّ ما سوى الله غيرٌ، فاتخذ ذِكرَه حِصنا وكلُّ مقامٍ لا تُقمْ فيهِ إنّه حجابٌ، فجد السَّير واستَنجد العونا وقُلْ :ومهما ترى كلًّ المراتِبِ تجْتَلِي عليكَ فحلْ عنها، فعَن مثلها حُلنا ليس لي في غَير ذاتِكَ مَطلبٌ فلا صورةُ تُجلى ولا طُرفة تُجنا
٢ انظر تفسير الآيات ٥٨-٦٠ من سورة هود..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي