فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ١١٢ ) وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ( هود : ١١٢-١١٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في وعدهم ووعيدهم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ومن تاب معه بالاستقامة وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل والأخلاق الفاضلة.
الإيضاح :
فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا أي فألزم الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه وأثبت عليه، وكذلك فليستقم من تاب من الشرك وآمن معك، ولا تنحرفوا عما رسم لكم بتجاوز حدوده غُلوّا في الدين، فإن الإفراط فيه كالتفريط كلاهما زَيْغ عن الصراط المستقيم.
وفي هذا إيماء إلى وجود إتباع النصوص في الأمور الدينية من عقائد وعبادات واجتناب الرأي وبطلان التقليد فيها.
وإيضاح هذا : إن تحكيم العقل البشري في الخوض في ذات الله وصفاته وفيما دون ذلك من عالم الغيب كالملائكة والعرش والجنة والنار- تجاوز لحدوده، فإن أكبر العلماء والفلاسفة عقولا عجزوا إلى اليوم عن معرفة كنه أنفسهم وأنفس ما دونهم من المخلوقات صغيرها وكبيرها حتى الحشرات منها كالنحل والنمل، فأنّى لهم أن يعرفوا كنه ذات الله وصفاته أو معرفة حقيقة ملائكته وغيرهم من جند الله ؟
ولما خرج متأخرو الأمة عن هدى سلفهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان زاغوا فكانوا : من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ( الروم : ٣٢ ) فسقط بعضهم في خيال التشبيه، وبعضهم في خيال التعطيل.
ولو كانوا قد نهجوا نهج السابقين لتجنبوا أسباب الخلاف والتفرق في الدين الذي أوعد الله أهله بالعذاب العظيم وبرأ رسوله منهم.
والواجب التزام كتاب الله وما فسرته به سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من العبادات العملية دون تحكم بالرأي والقياس، والمعاملات على النحو الذي بينه الكتاب والسنة على السنن القويم دون تأويل ولا تخريج لهما على غير ما يفهم من ظاهرهما.
أما الاختلاف فيما عدى ذلك من أمور القضاء والسياسة وأمور المعاش من زراعات وتجارات فهو أمر طبيعي لا يمكن الغنى عنه، فلولاه لما تقدمت شؤون الحياة، ولما حصل التنافس لدى أرباب المهن والصناعات، ولما جدّ كل يوم بِدْع جديد- موضه ولكان الناس دائما على الفطرة الأولى، وأنّى لعقل الإنسان أن يستمر على حال واحدة وقد أوتي الخلافة في الأرض وحسن استعمارها، وبهذا وحده فَضّل الملائكة، ولله في خلقه شؤون.
وقد بين سبحانه لنا المخرج إذا حدث بيننا الخلاف في الدين فقال : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ( النساء : ٥٩ ) الآية. وقد فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لمعاذ بن جبل حين ولاه القضاء في اليمن " بم تقضي ؟ " قال بكتاب الله. قال :" فإن لم تجد ؟ " قال : فبسنة رسوله. قال :" فإن لم تجد ؟ " قال اجتهدا رأيي- فأقرّه على ذلك.
وهذا هو الاستقامة في الدين التي بها يرقى المرء إلى أعلى عليين، وقد حثّ الله رسوله عليها في هذه الآية وحث موسى وهارون عليها فقال : قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ( يونس : ٨٩ ).
ومدح من اتصفوا بها ووعدهم بالخير والفلاح في الآخرة فقال : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ( فصلت : ٣٠ ).
وروى مسلم عن سفيان الثقفي قال :( قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه حديثا بعدك. قال :( قل آمنت بالله ثم استقم ).
إنه بما تعملون بصير أي إنه تعالى بصير بعملكم محيط به، فيجزيكم به، فاتقوه أن يطلع عليكم وأنتم عاملون بخلاف أمره.
ونظير هذه الآية قوله : فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( الشورى : ١٥ ).
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ١١٢ ) وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ( هود : ١١٢-١١٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في وعدهم ووعيدهم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ومن تاب معه بالاستقامة وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل والأخلاق الفاضلة.
تفسير المراغي
المراغي