ولا تطغوا : ولا تتجاوزوا ما أمرتم به.
الآيات تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة على ما رسمه الله من مبادئ وحدود هو والمؤمنون معه وعدم الانحراف عن ذلك وتجاوزه، وتؤكد أن الله بصير بما يعملونه ومراقبهم فيه، وتنهاهم عن الميل والركون للظالمين وتنذرهم بأن هذا يجرهم إلى النار فضلا عن أنهم لا يمكن أن ينتصروا بذلك لأنهم ليس لهم ناصر من دون الله، وتحث النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة في أول النهار وآخره وفي أول الليل وآخره كذلك، وتقرر أن ما يقدمه المرء من صالح الأعمال يمحو ما قد يكون بدر منه من هفوات وسيئات، وأن في هذا تذكرة للذاكرين وترغيبا للراغبين، ثم تثبت النبي صلى الله عليه وسلم وتحثه على التمسك بالصبر وتطمئنه بأن الله تعالى لا يضيع أجر الصابرين المحسنين.
والمتبادر أن الآيات متصلة بسابقاتها اتصالا تعقيبيا، وقد احتوت التفاتا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنصائح والمواعظ والتنبيهات التي من شأنها أن تثبت قلوبهم وتمنحهم رضاء الله بعد أن سبقتها آيات فيها وعيد وإفحام وردّ وتكذيب للكافرين. فعليهم أن يستقيموا على ما رسمه الله تعالى لهم من مبادئ وحدود دون أن يركنوا إلى الظالمين ففي ذلك خيرهم وسعادتهم وطمأنينتهم وفي الخروج عنه هلاكهم.
تعليق على آية
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ومَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ
ومما ذكره المفسرون في سياق تفسير الآية [ ١١٢ ] أن ابن عباس رضي الله عنه قال : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية حتى قال : شيبتني هود وأخواتها فسئل عما شيبه منها فقال فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ١.
والمتبادر إذا صحت الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه المؤمنين بذلك إلى ما قد تحتاج إليه الاستقامة على أوامر الله وحدوده من عزيمة قوية وإيمان عميق، وذلك حق لا ريب فيه، ومما قالوه في معنى ( استقم ) اثبت على أوامر الدين ونواهيه ولا تزغ عنها ولا تحتل فيها، ولا شك في أن الكلمة تتحمل هذه المعاني أيضا.
ولقد روى البغوي في سياق الآية حديثا عن عبد الله الثقفي قال :" قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ؟ قال : قل آمنت بالله ثم استقم "، و روي عن عمر بن الخطاب قوله :" إن الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تزوغ زوغان الثعلب ".
ومن المفسرين٢ من فسر جملة ولا تطغوا بمعنى التجاوز إلى ما فيه معصية وطغيان، ومنهم من قال : إنها تتضمن معنى التحذير من الغلو في الدين. وأورد أصحاب القول الثاني في سياقها حديثا نبويا روى صيغة مقاربة منه البخاري عن أبي هريرة جاء فيها :" إنّ الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسدّدوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة " ٣.
وكلا التفسيرين وارد إلا أن روح الجملة تجعل القول الأول أكثر وجاهة وورودا. والحديث لم يرد كتفسير للآية، وفيه في حدّ ذاته تلقين بليغ.
تعليق على جملة
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا
تعددت الأقوال في معنى ( تركنوا ) منها : أنها بمعنى ( تميلوا ) ومنها أنها بمعنى ( تستندوا )، والثاني هو المتسق أكثر في مدى الركون اللغوي على ما حققه السيد رشيد رضا. وتعددت الأقوال كذلك في المقصود ( بالذين ظلموا )، حيث قيل إنهم الكافرون والمشركون كما قيل إنهم الظلمة البغاة. وقد رجح الطبري الأول وقد يكون هذا هو الأوجه في ظروف نزول الآية من حيث إنه لم يكن من المشركين الكافرين في العهد المكي من لا يوصف بغير الظلم في موقفه من الدعوة بقطع النظر عن شركه وكفره. وقد وصف الشرك في القرآن المكي بالظلم العظيم كما جاء في آية سورة لقمان [ ١٣ ] ووصف الكفار المشركون بالظالمين كما جاء في آيات عديدة منها آيات سورة الفرقان [ ٢٧ ] وسورة الأعراف [ ٩ ].
غير أنه يتبادر لنا أن للقول الأول وجاهة على المدى البعيد عند النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يؤيد ذلك إطلاق العبارة القرآنية بحيث يصح القول : إن في الجملة تلقينا مستمر المدى يوجب كل مسلم مخلص بعدم الميل والاستناد إلى الباغي المنحرف عن الحق والمرتكب للمعاصي سواء أكان مسلما أم غير مسلم. وعدم الاعتماد عليه والتناصر معه ومداهنته والتعاون معه. وكل هذا يدخل في مدى ومفهوم الركون بها وواجبه بالوقوف منه موقف المناوئ المناضل في نطاق قدرته، وهذا الواجب يصبح أكثر لزاما على الجماعات الإسلامية.
ويلفت النظر بخاصة إلى جملة ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ التي أعقبت الجملة التي نحن في صددها فإنها ذات مدى ومغزى قويين في التنبيه والتحذير. فالركون إلى الذين ظلموا فضلا عن أن يجر إلى النار فإنه لن يضمن أي نصر ونجاح ؛ لأنه ليس غير الله يضمن ذلك. وليس غير الله ولي ونصير.
ولقد استطرد السيد رشيد رضا الذي توسع في هذه المسألة إلى موضوع طاعة أصحاب السلطان والتعاون معهم إذا كانوا بغاة منحرفين. وقد رأينا أن نرجئ الكلام على هذه المسألة إلى مناسبة آتية أكثر ملاءمة. ولقد سبق التعليق على الظلم في معنى البغي والعدوان والاغتصاب في سورة الفرقان بما يغني عن التكرار، هذا من حيث نزولها ومقامها في السياق.
ولقد أورد المفسرون أحاديث وروايات وأقوالا عديدة في فحواها من ذلك عن مجاهد أن الحسنات التي تذهب السيئات هي " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر " ٤. ومن ذلك قول روي في صيغ عديدة عن أبي بكر وعثمان وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الصلوات الخمس، أو الصلاة مطلقا. وساق الطبري حديثا رواه بطرق عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" جعلت الصلوات كفارات لما بينهن فإن الله قال إن الحسنات يذهبن السيئات ".
والقول الأوجه إنها الصلاة من القول الأول. ومجيء الجملة بعد الأمر بإقامة الصلاة قرينة حاسمة على كونه الأوجه.
تعليق على آية
{ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ
اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ }
المصحف الذي اعتمدنا عليه يذكر أن هذه الآية مدنية، ويروي المفسرون في سياقها أحاديث نبوية عديدة منها ما ورد في الصحاح. ومن ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن مسعود جاء فيه :" أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزلت الآية. فقال الرجل : ألي هذه ؟ قال : لمن عمل بها من أمّتي " ٥. وحديث رواه الترمذي عن أبي اليسر قال :" أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت لها : إنّ في البيت تمرا أطيب منه فدخلت معي، فملت عليها فقبّلتها، فسألت أبا بكر فقال : استر على نفسك، ولا تخبر أحدا، وتب إلى الله، فلم أصبر وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا، حتى تمنّى أنه لم يكن أسلم إلاّ تلك الساعة حتى ظنّ أنه من أهل النار. وأطرق رسول الله طويلا حتى أوحي إليه بالآية فقرأها فقال أصحابه : يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة ؟ قال : بل للناس عامة " ٦.
ومقتضى الحديثين أن الآية نزلت في العهد المدني. ويلحظ أنها منسجمة في السياق ومعطوفة على ما قبلها. وبينها وبين ما قبلها مماثلة في الصيغة فاستقم كما أمرت و أقم الصلاة حيث يبرر هذا الشك في مدنية الآية التي تبدو والجملة هذه مقحمة في سياق مكي.
وفي كتب تفسير الطبري والبغوي صيغ متعددة من باب الحديثين، منها : ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا آية على الرجل تلاوة. وأمره بالوضوء والصلاة والتوبة، حيث يتبادر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية على سبيل التقوى وتطمين المذنب الذي جاء إليه معترفا بذنبه نادما تائبا، وأن الذين رووا مدنيتها ونزولها في هذه المناسبة قد التبس الأمر عليهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآية أحاديث أخرى في نفع الصلاة، منها حديث رواه أيضا مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال :" قال النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر " ٧. ومنها حديث رواه الطبري بطرقه عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه :" إن النبي صلى الله عليه وسلم كان تحت شجرة فأخذ غصنا يابسا فهزّه حتى تحاتّ ورقه، ثم قال لراوي الحديث : ألا تسألني لم أفعل هذا يا سلمان ؟ فقلت : ولم تفعله ؟ فقال : إن المسلم إذ توضّأ فأحسن الوضوء ثم صلّى الصلوات الخمس تحاتّت خطاياه كما يتحاتّ هذا الورق، ثم تلا هذه الآية : وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ " ٨.
ويجب أن نستدرك أمرا فإن الربط بين الصلاة التي عدت حسنات وبين محو السيئات في الآية قائم على ما هو المتبادر على كون المرء الذي يبدو منه خطيئة حينما يقف أمام الله عز وجل يتذكر ما بدر منه فيشعر بالخجل والندم ويسوقه هذا إلى التكفير عن عمله والكف عنه. وفي الفقرة الأخيرة من الآية توضيح هذا المعنى أو قرينة عليه، ففي ذكر الله قوة رادعة عن الشر دافعة إلى الخير، والصلاة أقوى وسيلة إلى ذكر الله. ومن تحصيل الحاصل أن يقال : إن الصلاة التي لا تؤدي إلى هذه النتيجة ليس من شأنها أن تمحو سيئة ما. وأن ما يتوهم عوام الناس من أنهم يتلافون بقيامهم وركوعهم وسجودهم الآلي فقط نتائج ما يقترفونه من ذنوب في غير محله. فهدف الآية إصلاح النفس وإيقاظ الضمير بوسيلة الصلاة وذكر الله تعالى فيها. ولا يكون هذا مجديا إلاّ إذا صلى المرء خاشعا شاعرا ذاكرا متأثرا نادما على ذنبه مصمما على توبته منه معتقدا ذلك فعلا. ومن الأحاديث النبوية التي وردت في هذا المعنى :" من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلاّ بعدا " ٩. و " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له " ١٠.
وقد يتبادر مع ذلك أن كلمة ( السيئات ) في الآيات والأحاديث قد عنت الهفوات الصغيرة التي سميت في القرآن باللمم أيضا التي قد يغفرها الله تعالى للمسلم بحسنات صلاته إذا أداها على وجهها واجتهد في الوقت نفسه في تجنب الكبائر على ما شرحناه في سياق سورة النجم بما يغني عن التكرار. وفي الأحاديث التي مر إيرادها " إن الصلاة كفارة لما قبلها ما لم تغش الكبائر " حيث ينطوي في هذا تأييد لما قلناه.
وجملة إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ جاءت بأسلوب مطلق، وهي في الوقت ذاته جملة تامة، وقد تبادر لنا من ذلك أنها تتضمن في ذاتها مبدأ عاما، وأن الصلاة على عظم خطورتها هي من الحسنات وليست كل الحسنات، فالصدقات المفروضة ( الزكاة ) والتطوعية حسنة، والجهاد حسنة، ومساعدة
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ومَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ١١٢ ولاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ١١٣ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ١١٤ َاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ١١٥ [ ١١٢ ـ ١١٥ ].
الآيات تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة على ما رسمه الله من مبادئ وحدود هو والمؤمنون معه وعدم الانحراف عن ذلك وتجاوزه، وتؤكد أن الله بصير بما يعملونه ومراقبهم فيه، وتنهاهم عن الميل والركون للظالمين وتنذرهم بأن هذا يجرهم إلى النار فضلا عن أنهم لا يمكن أن ينتصروا بذلك لأنهم ليس لهم ناصر من دون الله، وتحث النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة في أول النهار وآخره وفي أول الليل وآخره كذلك، وتقرر أن ما يقدمه المرء من صالح الأعمال يمحو ما قد يكون بدر منه من هفوات وسيئات، وأن في هذا تذكرة للذاكرين وترغيبا للراغبين، ثم تثبت النبي صلى الله عليه وسلم وتحثه على التمسك بالصبر وتطمئنه بأن الله تعالى لا يضيع أجر الصابرين المحسنين.
والمتبادر أن الآيات متصلة بسابقاتها اتصالا تعقيبيا، وقد احتوت التفاتا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنصائح والمواعظ والتنبيهات التي من شأنها أن تثبت قلوبهم وتمنحهم رضاء الله بعد أن سبقتها آيات فيها وعيد وإفحام وردّ وتكذيب للكافرين. فعليهم أن يستقيموا على ما رسمه الله تعالى لهم من مبادئ وحدود دون أن يركنوا إلى الظالمين ففي ذلك خيرهم وسعادتهم وطمأنينتهم وفي الخروج عنه هلاكهم.
تعليق على آية
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ومَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ
ومما ذكره المفسرون في سياق تفسير الآية [ ١١٢ ] أن ابن عباس رضي الله عنه قال : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية حتى قال : شيبتني هود وأخواتها فسئل عما شيبه منها فقال فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ١.
والمتبادر إذا صحت الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه المؤمنين بذلك إلى ما قد تحتاج إليه الاستقامة على أوامر الله وحدوده من عزيمة قوية وإيمان عميق، وذلك حق لا ريب فيه، ومما قالوه في معنى ( استقم ) اثبت على أوامر الدين ونواهيه ولا تزغ عنها ولا تحتل فيها، ولا شك في أن الكلمة تتحمل هذه المعاني أيضا.
ولقد روى البغوي في سياق الآية حديثا عن عبد الله الثقفي قال :" قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ؟ قال : قل آمنت بالله ثم استقم "، و روي عن عمر بن الخطاب قوله :" إن الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تزوغ زوغان الثعلب ".
ومن المفسرين٢ من فسر جملة ولا تطغوا بمعنى التجاوز إلى ما فيه معصية وطغيان، ومنهم من قال : إنها تتضمن معنى التحذير من الغلو في الدين. وأورد أصحاب القول الثاني في سياقها حديثا نبويا روى صيغة مقاربة منه البخاري عن أبي هريرة جاء فيها :" إنّ الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسدّدوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة " ٣.
وكلا التفسيرين وارد إلا أن روح الجملة تجعل القول الأول أكثر وجاهة وورودا. والحديث لم يرد كتفسير للآية، وفيه في حدّ ذاته تلقين بليغ.
تعليق على جملة
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا
تعددت الأقوال في معنى ( تركنوا ) منها : أنها بمعنى ( تميلوا ) ومنها أنها بمعنى ( تستندوا )، والثاني هو المتسق أكثر في مدى الركون اللغوي على ما حققه السيد رشيد رضا. وتعددت الأقوال كذلك في المقصود ( بالذين ظلموا )، حيث قيل إنهم الكافرون والمشركون كما قيل إنهم الظلمة البغاة. وقد رجح الطبري الأول وقد يكون هذا هو الأوجه في ظروف نزول الآية من حيث إنه لم يكن من المشركين الكافرين في العهد المكي من لا يوصف بغير الظلم في موقفه من الدعوة بقطع النظر عن شركه وكفره. وقد وصف الشرك في القرآن المكي بالظلم العظيم كما جاء في آية سورة لقمان [ ١٣ ] ووصف الكفار المشركون بالظالمين كما جاء في آيات عديدة منها آيات سورة الفرقان [ ٢٧ ] وسورة الأعراف [ ٩ ].
غير أنه يتبادر لنا أن للقول الأول وجاهة على المدى البعيد عند النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يؤيد ذلك إطلاق العبارة القرآنية بحيث يصح القول : إن في الجملة تلقينا مستمر المدى يوجب كل مسلم مخلص بعدم الميل والاستناد إلى الباغي المنحرف عن الحق والمرتكب للمعاصي سواء أكان مسلما أم غير مسلم. وعدم الاعتماد عليه والتناصر معه ومداهنته والتعاون معه. وكل هذا يدخل في مدى ومفهوم الركون بها وواجبه بالوقوف منه موقف المناوئ المناضل في نطاق قدرته، وهذا الواجب يصبح أكثر لزاما على الجماعات الإسلامية.
ويلفت النظر بخاصة إلى جملة ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ التي أعقبت الجملة التي نحن في صددها فإنها ذات مدى ومغزى قويين في التنبيه والتحذير. فالركون إلى الذين ظلموا فضلا عن أن يجر إلى النار فإنه لن يضمن أي نصر ونجاح ؛ لأنه ليس غير الله يضمن ذلك. وليس غير الله ولي ونصير.
ولقد استطرد السيد رشيد رضا الذي توسع في هذه المسألة إلى موضوع طاعة أصحاب السلطان والتعاون معهم إذا كانوا بغاة منحرفين. وقد رأينا أن نرجئ الكلام على هذه المسألة إلى مناسبة آتية أكثر ملاءمة. ولقد سبق التعليق على الظلم في معنى البغي والعدوان والاغتصاب في سورة الفرقان بما يغني عن التكرار، هذا من حيث نزولها ومقامها في السياق.
ولقد أورد المفسرون أحاديث وروايات وأقوالا عديدة في فحواها من ذلك عن مجاهد أن الحسنات التي تذهب السيئات هي " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر " ٤. ومن ذلك قول روي في صيغ عديدة عن أبي بكر وعثمان وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الصلوات الخمس، أو الصلاة مطلقا. وساق الطبري حديثا رواه بطرق عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" جعلت الصلوات كفارات لما بينهن فإن الله قال إن الحسنات يذهبن السيئات ".
والقول الأوجه إنها الصلاة من القول الأول. ومجيء الجملة بعد الأمر بإقامة الصلاة قرينة حاسمة على كونه الأوجه.
تعليق على آية
{ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ
اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ }
المصحف الذي اعتمدنا عليه يذكر أن هذه الآية مدنية، ويروي المفسرون في سياقها أحاديث نبوية عديدة منها ما ورد في الصحاح. ومن ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن مسعود جاء فيه :" أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزلت الآية. فقال الرجل : ألي هذه ؟ قال : لمن عمل بها من أمّتي " ٥. وحديث رواه الترمذي عن أبي اليسر قال :" أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت لها : إنّ في البيت تمرا أطيب منه فدخلت معي، فملت عليها فقبّلتها، فسألت أبا بكر فقال : استر على نفسك، ولا تخبر أحدا، وتب إلى الله، فلم أصبر وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا، حتى تمنّى أنه لم يكن أسلم إلاّ تلك الساعة حتى ظنّ أنه من أهل النار. وأطرق رسول الله طويلا حتى أوحي إليه بالآية فقرأها فقال أصحابه : يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة ؟ قال : بل للناس عامة " ٦.
ومقتضى الحديثين أن الآية نزلت في العهد المدني. ويلحظ أنها منسجمة في السياق ومعطوفة على ما قبلها. وبينها وبين ما قبلها مماثلة في الصيغة فاستقم كما أمرت و أقم الصلاة حيث يبرر هذا الشك في مدنية الآية التي تبدو والجملة هذه مقحمة في سياق مكي.
وفي كتب تفسير الطبري والبغوي صيغ متعددة من باب الحديثين، منها : ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا آية على الرجل تلاوة. وأمره بالوضوء والصلاة والتوبة، حيث يتبادر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية على سبيل التقوى وتطمين المذنب الذي جاء إليه معترفا بذنبه نادما تائبا، وأن الذين رووا مدنيتها ونزولها في هذه المناسبة قد التبس الأمر عليهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآية أحاديث أخرى في نفع الصلاة، منها حديث رواه أيضا مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال :" قال النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر " ٧. ومنها حديث رواه الطبري بطرقه عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه :" إن النبي صلى الله عليه وسلم كان تحت شجرة فأخذ غصنا يابسا فهزّه حتى تحاتّ ورقه، ثم قال لراوي الحديث : ألا تسألني لم أفعل هذا يا سلمان ؟ فقلت : ولم تفعله ؟ فقال : إن المسلم إذ توضّأ فأحسن الوضوء ثم صلّى الصلوات الخمس تحاتّت خطاياه كما يتحاتّ هذا الورق، ثم تلا هذه الآية : وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ " ٨.
ويجب أن نستدرك أمرا فإن الربط بين الصلاة التي عدت حسنات وبين محو السيئات في الآية قائم على ما هو المتبادر على كون المرء الذي يبدو منه خطيئة حينما يقف أمام الله عز وجل يتذكر ما بدر منه فيشعر بالخجل والندم ويسوقه هذا إلى التكفير عن عمله والكف عنه. وفي الفقرة الأخيرة من الآية توضيح هذا المعنى أو قرينة عليه، ففي ذكر الله قوة رادعة عن الشر دافعة إلى الخير، والصلاة أقوى وسيلة إلى ذكر الله. ومن تحصيل الحاصل أن يقال : إن الصلاة التي لا تؤدي إلى هذه النتيجة ليس من شأنها أن تمحو سيئة ما. وأن ما يتوهم عوام الناس من أنهم يتلافون بقيامهم وركوعهم وسجودهم الآلي فقط نتائج ما يقترفونه من ذنوب في غير محله. فهدف الآية إصلاح النفس وإيقاظ الضمير بوسيلة الصلاة وذكر الله تعالى فيها. ولا يكون هذا مجديا إلاّ إذا صلى المرء خاشعا شاعرا ذاكرا متأثرا نادما على ذنبه مصمما على توبته منه معتقدا ذلك فعلا. ومن الأحاديث النبوية التي وردت في هذا المعنى :" من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلاّ بعدا " ٩. و " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له " ١٠.
وقد يتبادر مع ذلك أن كلمة ( السيئات ) في الآيات والأحاديث قد عنت الهفوات الصغيرة التي سميت في القرآن باللمم أيضا التي قد يغفرها الله تعالى للمسلم بحسنات صلاته إذا أداها على وجهها واجتهد في الوقت نفسه في تجنب الكبائر على ما شرحناه في سياق سورة النجم بما يغني عن التكرار. وفي الأحاديث التي مر إيرادها " إن الصلاة كفارة لما قبلها ما لم تغش الكبائر " حيث ينطوي في هذا تأييد لما قلناه.
وجملة إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ جاءت بأسلوب مطلق، وهي في الوقت ذاته جملة تامة، وقد تبادر لنا من ذلك أنها تتضمن في ذاتها مبدأ عاما، وأن الصلاة على عظم خطورتها هي من الحسنات وليست كل الحسنات، فالصدقات المفروضة ( الزكاة ) والتطوعية حسنة، والجهاد حسنة، ومساعدة
التفسير الحديث
دروزة