ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة١ من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ( ٢٨ ) :
وقول نوح عليه السلام : أرأيتم أي : أخبروني إن كنت على بينة موهوبة من الله تعالى ونور وبصيرة وفطرة بالهداية، وآتاني الحق سبحانه : رحمة أي : رسالة، بينما خفيت هذه المسألة عنكم، فهل أجبركم على ذلك ؟ لا ؛ لأن الإيمان لا بد أن يأتي طواعية بعد إقناع ملموس، وانفعال مانوس، واختيار بيقين٢.
وحين ننظر في قوله : .. أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ( ٢٨ ) [ هود ] :
نجد الهمزة الاستفهامية ثم الفعل " نلزم " ثم كاف المخاطبة، وهنا نكون أمام استفهام، وفعل، وفاعل مطمور في الفعل، ومفعول أول هو كاف المخاطبة، ومفعول ثان هو الرحمة.
إذن فلا إلزام من الرسول لقومه بأن يؤمنوا ؛ لأن الإيمان يحتاج إلى قلوب٣، لا قوالب، وإكراه القوالب لا يزرع الإيمان في القلوب.
والحق سبحانه يريد من خلقه قلوبا تخشع، لا قوالب تخضع، ولو شاء سبحانه لأرغمهم وأخضعهم٤ كما أخضع الكون كله له، فهو سبحانه القائل : أأنتم أشد خلقا أم السماء... ( ٢٧ ) [ النازعات ] : فالحق سبحانه وتعالى أخضع السماء والشمس والقمر٥، وكل الكون، وهو سبحانه يقول لنا : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. ( ٥٧ ) [ غافر ] : والكون كله يخضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى.
وقد خلق الحق سبحانه الملائكة وهم جنس أعلى من البشر، وقال سبحانه عنهم :
.. لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( ٦ ) [ التحريم ] :
إذن : فالحق سبحانه وتعالى لو أراد قوالب لأخضع الخلق كلهم لعبادته، ولكنه سبحانه وتعالى يريد قلوبا تخشع ؛ ولذلك يقول تبارك وتعالى : لعلك باخع٦ نفسك ألا يكونوا مؤمنين ( ٣ ) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ( ٤ ) [ الشعراء ] : وهكذا نعلم أن الحق سبحانه منزه عن رغبة إخضاع القوالب البشرية، بل شاء سبحانه أن يجعل الإنسان مختارا ؛ ولذلك لا يكره الله سبحانه أحدا على الإيمان.
والدين لا يكون بالإكراه، بل بالطواعية والرضا.
والحق سبحانه وتعالى هو القائل :( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي٧.. ( ٢٥٦ ) }[ البقرة ] : وهكذا يطلب الحق سبحانه من الخلق أن يعرضوا أمر الإيمان على العقل، فالعقل بالإدراك ينفعل متعجبا لإبداع المبدع، وعند الإعجاب ينزع إلى اختيار بيقين المؤمن.
يقول الحق : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ( ١٩٠ ) [ آل عمران ].
والإكراه إنما يكون على أمر غير متبين، أما الدين فأمر يتبين فيه الرشد ؛ لأن المنهج حين يطلب منك ألا تسرق غيرك، فهو يضمن لك ألا يسرقك الغير، وحين يأمرك ألا تنظر إلى محارم غيرك، فهو يحمي محارمك، وحين يأمرك ألا تغتاب أحدا، وألا تحقد على أحد، ففي هذا كله راحة للإنسان.
إذن : فما يطلبه المنهج هو كل أمر مريح للإنسان، وأنت إن نظرت في مطلوبات المنهج فلن تجدها مطلوبة منك وحدك، ولكن مطلوبة من الناس لك أيضا. وهو تبادل مراد من الله لإعمار الكون أخذا وعطاء.
ولذلك لا يحتاج مثل هذا الرشد إلى إكراه عليه، بل تجد فيه البينة واضحة فاصلة بينه وبين الغي.
والآفة أن بعضا من الناس يستخدمون هذه الآية في غير موضعها، فحين تطلب من مسلم أن يصلي تجده يقول لك : لا إكراه في الدين... ( ٢٥٦ ) [ البقرة ] :
ولك أن تقول له : لا إكراه في الحمل على الدين والإيمان به، لكنك إذا آمنت بالدين فإياك أن تكسره، بتعطيل منهجه أو الإعراض عنه.
ولذلك يشدد الحق سبحانه عقوبة الخروج من الدين ؛ لأن الحق سبحانه لم يكره أحدا على الدخول في الدين، بل للإنسان أن يفكر ويتدبر ؛ لأنه إن دخل في الدين وارتكب ذنبا فسيلقى عقاب الذنب ؛ لأنه دخل برغبته واختاره بيقينه، فالمخالفة لها عقابها إذن : فالدخول إلى الإيمان لا إكراه فيه، ولكن الخروج من الدين يقتضي إقامة الحد على المرتد٨ ومعاقبة العاصي على عصيانه.
وعندما يعلم الجميع هذا الأمر فهم يعلمون أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل الصعوبة في الدخول إلى الدين عن طريق تصعيب آثار الخروج منه.
٢ - يقول الحق سبحانه: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق...(٥٣) [فصلت]..
٣ - القلوب لها حكومة خاصة، يقو ل الحق: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤) [محمد] ويقول: الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.. (٢) [الأنفال] فإيمان القلوب إيمان العابدين، وإيمان القوالب إيمان المكرهين والمرائين والمنافقين، وهناك فرق بين قبول اليقين ومنطق المكرهين..
٤ - ورب العزة سبحانه يقول: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين(٩٩) [يونس]، ويقول أيضا: .. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (٣٥) [الأنعام]..
٥ - يقول الحق: الشمس والقمر بحسبان (٥) والنجم والشجر يسجدان (٦) والسماء رفعها ووضع الميزان (٧) الرحمان] ويقول الحق: تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (٤٤) [الإسراء]..
٦ - بخع نفسه، بخعا وبخوعا: قتلها هما وغيظا وحزنا. وقال تعالى: فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنون بهذا الحديث آسفا (٦) [الكهف]..
٧ - الغي: الضلال والانهماك في الجهل..
٨ - حد المرتد في شريعة الإسلام هو القتل، فقد روى البخاري في صحيحه (١٢/٢٦٧- فتح) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه)، وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس) أخرجه مسلم في صحيحه (١٦٧٦).
ولكن يجب أن ينتبه إلى أنه لا يحكم بارتداد أحد إلا بعد صدور ما يدل على كفره دلالة قطعية لا تحتمل التأويل، حتى نسب إلى الإمام مالك أنه قال: (من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجها ويحتمل الإيمان من وجه، حمل أمره على الإيمان).
ولا يطبق حد الردة إلا بعد الاستتابة لمدة ثلاثة أيام..
تفسير الشعراوي
الشعراوي