ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك :
قالوا يا نوح قد جادلتنا١ فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين( ٣٢ ) :
والجدال هو قول كلام يقابل كلاما آخر، والقصد عند كل طرف متكلم أن يزحزح الطرف الآخر عن مذهبه بحجة أو بشبهة، بهدف إسقاط المذهب.
إذن : فالجدال هو مناقشة طرفين، يتقاسمان الكلام بهدف أن يقنع أحدهما الآخر بأن ينصرف عن مذهبه هو إلى مذهب القائل.
وكلمة " الجدال " مأخوذة من " الجدْل " أي : الفتل، وفتل الحبل إنما يأتي من أخذ شعرات من الكتان أو الحرير أو أي مادة مثل هذا أو ذاك، ثم ضم شعرتين إلى بعضهما، ثم القيام بلف كل شعرتين أخريين، وهكذا حتى يتم اكتمال الحبل.
ويقال للرجل القوي : " مفتول العضلات "، أي : أن عضلاته ليست رخوة أو ضعيفة، بل مفتولة، أي : متداخلة ومشدودة.
وحين تنظر إلى الجهاز العضلي فأنت تندهش لقدرة الحق سبحانه وتعالى الذي خلق كل عضلة بشكل وأسلوب معين، يتيح لها أن تتآزر وتتعاون مع غيرها من العضلات لأداء الحركات المطلوبة منها.
فحين يرفع الإنسان رأسه فهو يحتاج لحركة أكثر من عضلة، وحين تعمل اليد فهي تحرك أكثر من عضلة، ولو تعطلت حركة عضلة واحدة، لامتنعت الحركة المقابلة لها.
وهم قد قالوا لنوح عليه السلام : قد جادلتنا فأكثرت جدالنا... ( ٣٢ ) [ هود ] : ونحن نعلم أن نوحا عليه السلام عاش ألف عام إلا خمسين عاما، ومعنى ذلك أن جداله معهم أخذ وقتا طويلا.
والجدال يختلف عن المراء٢، لأن الجدال إنما يكون الحق، والمراء يكون بعد ظهور الحق.
الجدال –إذن- مطلوب، والحق سبحانه هو القائل : وجادلهم بالتي هي أحسن.. ( ١٢٥ ) [ النحل ]، وكذلك يقول سبحانه وتعالى :{ قد سمع الله قول التي٣ تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله... ( ١ ) [ المجادلة ] : إذن : فالجدال مطلوب لنصل إلى الحق، شرط أن يكون جدلا حسنا، لا احتكاك فيه ولا إيذاء٤.
وهناك فارق بين احتكاك الآراء، وتحكك الآراء، فالتحكك كالتلكك، وهو الرغبة في عدم الوصول إلى الحق، لكن الاحتكاك هو الذي يوصل إلى الحق، مثلما نحك الزناد بقطعة من حديد فتولد الشرر لنرى الحق، أما التحكك٥ فهو يوارى ويطمس الحقيقة.
والمِراء هو الجدال بعد أن يظهر الحق، وهو مأخوذ من مرى٦ الضرع، فحين يقومون بإنزال اللبن من ضرع الناقة أو البقرة، فالضرع يكون ملآن، وينزل منه اللبن بشدة وقوة، وبعد أن ينتهي حلب الضرع، يظل من يحلبها ممسكا بحلمات الناقة أو الجاموسة، ويستحلب ما بقى من اللبن، ويقال لهذا الجزء الأخير " المريى ".
ولذلك أخذوا من هذه العملية كلمة " المراء "، وهو ما بعد ظهور الحق.
وهناك بجانب الجدال والمراء، والاحتكاك، والتحكك، الحجاج ؛ والمراد بالحجاج هو إظهار حجة الخصم على الخصم.

١ - جادل: خاصم بالحق والباطل. واستعمل في الباطل في قوله تعالى: ها انتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا...(١٠٩) [النساء] واستعمل في الحق في قوله تعالى: وجادلهم بالتي هي أحسن..(١٢٥) [النحل]، وقد نهى الله سبحانه حجاج بيته الحرام عن الجدال بكل أنواعه صيانة لعلاقة المحبة بينهم، قال تعالى: فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج..(١٩٧) [البقرة]. [القاموس القويم]..
٢ - المراء: المماراة والجدال. وأصل المراء في اللغة أن يستخرج الرجل من مناظره كلاما ومعاني الخصومة وغيرها.
من: مريت الشاة إذا حلبتها واستخرجت لبنها. [انظر اللسان] والمراء والممارة يحمل معاني الشك والريبة في الأمر مما يستدعي جدالا أكثر وأعمق وأطول، وهذا منهى عنه..

٣ - هي امرأة يقال لها خولة بنت ثعلبة، اشتكت زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة: يا رسول الله، أكل مالي، وأفني شبابي ونشرت له بطني، حتى إذا كبرت سنى وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. قالت عائشة رضي الله عنها: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله...(١) [المجادلة] وزوجها هو: أوس بن الصامت. انظر تفسير ابن كثير (٤/٣١٨) وأسباب النزول للواحدي (ص ٢٣١)..
٤ - يقول تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن...(١٢٥) [النحل] أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كقوله تعالى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم...(٤٦) [العنكبوت] انظر: ابن كثير (٢/٥٩١)..
٥ - التحكك: التحرش والتعرض. وإنه ليتحكك بك، أي: يتعرض لشرك [اللسان- مادة: حكك]..
٦ - المريُ: مسح ضرع الناقة لتدر اللبن والمرى: الناقة تدر على من يمسح ضروعها. وقيل: هي الناقة الكثيرة اللبن. [اللسان: مادة-مرى].
وجاء في المصباح المنير: ماريته أماريه مماراة ومراء: جادلته. وتقدم القول إذا أريد بالجدال الحق أو الباطل. ويقال: ماريته إذا طعنت في قوله تزييفا للقول وتصغير للقائل، ولا يكون [المراء] إلا اعتراضا بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضا، وامترى في أمر: شك فيه. بتصرف صـ ٥٧٠..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير