ثم جاوبوه بغير ما تقدّم من كلامهم وكلامه عجزاً عن القيام بالحجة، وقصوراً عن رتبة المناظرة، وانقطاعاً عن المباراة بقولهم : يا نوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا أي : خاصمتنا بأنواع الخصام، ودفعتنا بكل حجة لها مدخل في المقام، ولم يبق لنا في هذا الباب مجال، فقد ضاقت علينا المسالك، وانسدّت أبواب الحيل فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا من العذاب الذي تخوّفنا منه، وتخافه علينا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين فيما تقوله لنا.
وأخرج أبو الشيخ، عن عطاء، مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله : إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن ربّي قال : قد عرفتها وعرفت بها أمره، وأنه لا إله إلا هو، وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِه قال : الإسلام الهدى والإيمان، والحكم والنبوّة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله : أَنُلْزِمُكُمُوهَا قال : أما والله لو استطاع نبيّ الله لألزمها قومه، ولكنه لم يستطع ذلك ولم يمكنه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ «أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون». وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، قال في قراءة أبيّ :«أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن أبيّ بن كعب، أنه قرأ :«أنلزمكموها من شطر قلوبنا».
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله : وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الذين آمَنُواْ ، قال : قالوا له : يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأرض سواء، وفي قوله : إِنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ قال : فيسألهم عن أعمالهم وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله التي لا يفنيها شيء، فأكون إنما دعوتكم لتتبعوني عليها، لا أعطيكم بملكه لي عليها وَلا أَعْلَمُ الغيب لا أقول : اتبعوني على علمي بالغيب وَلا أَقُولُ إِنّي مَلَك نزلت من السماء برسالة، ما أنا إلا بشر مثلكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ . قال : حقرتموهم. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، في قوله : لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا قال : يعني : إيماناً. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا قال : تكذيباً بالعذاب، وأنه باطل.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني