ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

ثم ذكر نزول العذاب الذي وعدهم به، فقال :
وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ
قلت : إنما قال هنا وفي قصة شعيب :( ولما )، بالواو، وفي قصة صالح ولوط :( فلما )، بالفاء ؛ لأن قصة صالح ولوط ذكرهما بعد الوعيد، في الفاء التي تقتضي التسبب، كما تقول : وعدته فما جاء الوعيد كان. . الخ، بخلاف قصة هود وشعيب لم يتقدم ذلك فيهما، فعطف بالواو، قاله الزمخشري.
يقول الحق جل جلاله : ولما جاء أمرُنا : عذابنا، أو أمرنا بالعذاب، نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ، وكانوا أربعة آلاف، ونجيناكم من عذابٍ غليظ ، وهو ريح السموم، وكانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أمعاءهم. والتكرير ؛ لبيان ما نجاهم منه، وإعلاماً بأنه عذاب غليظ، وتعديداً للنعمة في نجاتهم. ويحتمل أن يريد بالنجاة الأولى : من عذاب الدنيا، وهو الريح الذي نزل بقومهم، وبالنجاة الثانية : عذاب الآخرة، وهو العذاب الغليظ، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من أراد سلامة الدارين والظفر بقرة العين، فليتمسك بالإيمان بالله، وبكل رسول أتى من عند الله، وليتبع من يدعو إلى الله. وهم أهل المحبة والوداد، السالكون مناهج الرشاد والسداد. وليتجنب كل جبار عنيد، وهو : كل من يحول بينك وبين الله، ويغفلك عن ذكر الله. وقوله تعالى :( أَلا بُعداً لعاد ) وأخواتها، فيها تخويف لأهل القرب والوصال.
قال في الإحياء : ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة، ليست لغيرهم، وبعض مخاوفهم أشد من بعض، فأولها : خوف الإعراض، وأشد منه : خوف الحجاب، وأشد منه خوف الإبعاد، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين، أنه سمع :( ألا بُعداً لعاد )، ( ألا بُعداً لمدين )، وإنما تعظم هيبةُ البُعد وخوْفُه في قلب من ألف القرب وذاقه، وتنعَّم به. ثم قال : ثم خوف الوقوف وسلب المزيد، فإنا قَدَّمنا : أن درجات القرب لا نهاية لها. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير