ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ١ ( ٥٨ ) :
وساعة تسمع ولما جاء أمرنا فأنت تعرف أن هناك آمرا وأمرا مطاعا، وبمجرد صدور الأمر من الآمر سبحانه يكون التنفيذ ؛ لأنه يأمر من له قدرة على التنفيذ.
ولذلك يقول الحق سبحانه : إذا السماء انشقت( ١ ) وأذنت لربها وحقت٢ ( ٢ ) [ الانشقاق ] : إذن : فهي بمجرد السمع نفذت أمر الحق سبحانه.
وحين شاء الحق سبحانه أن ينجي موسى عليه السلام من الذبح الذي أمر به فرعون ؛ أوحى الله سبحانه لأم موسى قائلا : .. فإذا خفت عليه فألقيه في اليم٣ ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ( ٧ ) [ القصص ].
وكيف تفعل أم ذلك ؟
إن كل أم إنما تحرص على ابنها ؛ والذبح لموسى أمر مظنون، والإلقاء في البحر موت محقق٤، لكن أم موسى استقبلت الوحي ؛ ولم تتردد ؛ مما يدل على أنها لم تناقش الأمر بمقاييس البشر، بل بتنفيذ إلهام وارد إليها من الله سبحانه ؛ إلهام لا ينازعه شك أو شيطان.
وبعد ذلك يأمر الله سبحانه البحر : فليلقه اليم بالساحل٥.. ( ٣٩ ) [ طه ] : وقد استقبل البحر الأمر الإلهي ؛ لأنه أمر من قادر على الإنفاذ، كما قام بتنفيذ الضد.
في قصة نوح عليه السلام قال الحق سبحانه : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور.. ( ٤٠ ) [ هود ] : وحدث الطوفان : ليغرق الكافرين.
وهنا يقول الحق سبحانه :
ولما جاء أمرنا.. ( ٥٨ ) [ هود ] : يعني : مجيء الأمر بالعذاب للمخالفين لدعوة هود عليه السلام، وقد تحقق هذا العذاب بطريقة خاصة ودقيقة ؛ تتناسب في دقتها مع عظمة الآمر بها سبحانه وتعالى.
فحين تأتي ريح صرصر٦ أو صيحة طاغية، فهذا العذاب من خارجهم، ومادام العذاب من الخارج، وبقوة من قوى الطبيعة الصادرة بتوجيه الله ؛ فقد يعم المكذبين لسيدنا هود، ومعهم المصدقون به وبرسالته، فكيف يتأتى أن تذهب الصيحة إلى آذان المكذبين فقط، وتخرق تلك الآذان ؛ وتترك آذان المؤمنين ؟
إنها قدرة التقدير لا قوة التدمير.
إن موجه الصيحة قد حدد لها من تصيب ومن تترك، وهي صيحة موجهة، مثلها مثل حجارة سيجيل٧ التي رمتها طير أبابيل٨ على أبرهة الحبشي وجنوده ؛ مع نجاة جنود قريش بنفس الحجارة ؛ ولم تكن إصابة بالطاعون كما ادعى بعض من المتفلسفين.
وهذه من أسرار عظمة الحق سبحانه فهو يأخذ بشيء واحد ؛ ولكنه ينجى المؤمن ؛ ويعذب الكافر ؛ فلا يوجد ناموس يحكم الكون بدون قدرة مسيطرة عليه.
يقول المتنبي٩ :
تسود الشمس منا بيض أوجهنا **** وما تسود بيض العين واللمم
وكان حالهما في الحكم واحدة **** لو احتكمنا من الدنيا إلحكم١٠
وهكذا يضرب المتنبي المثل بأن جلوس الواحد منا في الشمس ؛ يجعل بشرة الأبيض تميل إلى السمرة ولا تسود بياض الشعر، لكنك إن تركت شيئا أسود في الشمس فترة لوجدته يميل إلى الأبيض ؛ ويحدث ذلك رغم أن الفاعل واحد ؛ لكن القابل مختلف.
والحق سبحانه يقول هنا : ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا.. ( ٥٨ ) [ هود ] : فلا تقل كيف نجوا من العذاب الجامع والعذاب العام ؛ لأن هذه هي الرحمة.
والرحمة-كما نعلم- هي ألا يمس الداء الإنسان من أول الأمر ؛ أما الشفاء فهو يعالج الداء.
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين.. ( ٨٢ ) [ الإسراء ].
ونحن نلحظ هنا أن الحق سبحانه يذكر في نفس الآية الكريمة نجاتين :
النجاة الأولى : من العذاب الجامع ؛ الريح الصرصر ؛ من الصيحة ؛ من الطاغية يقول سبحانه : .. نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ ( ٥٨ ) [ هود ].
والنجاة الثانية : هي نجاة من عذاب الآخرة الغليظ، فعذاب الدنيا رغم قسوته، إلا أنه موقوت بعمر الدنيا.
أما عذاب الآخرة فهو عذاب بلا نهاية، ووصفه الحق سبحانه بالغلظة.
وغلظ الشيء يعطي له القوة والمتانة، وهو عذاب غليظ على قدر ما يستوعب الحكم.
ولذلك حينما يملك الحق سبحانه رجلا بضع١١ امرأة بعقد الزواج، ويصف ذلك بالميثاق الغليظ، والنفعية هنا متصلة بالعفة والعرض، ولم يملك الرجل النفعية المطلقة من المرأة١٢ التي يتزوجها ؛ فالزوج يمكن من عورة زوجته بعقد الزواج.
يقول الحق سبحانه : .. وأخذن منكم ميثاقا غليظا١٣ ( ٢١ ) [ النساء ].
وكانت نجاة هود عليه السلام والمؤمنين معه من العذاب الأول مقدمة للنجاة من العذاب الغليظ.

١ - عذاب غليظ: أي: كبير كثير شديد صعب. [القاموس القويم]..
٢ - حق له [بالبناء للمجهول]: أثبت له. قال تعالى: وأذنت لربها وحقت (٢) [الانشقاق] أي: كان حقا ثابتا عليها أن تخضع لأمر الله. [القاموس القويم]..
٣ - اليم: البحر أو النهر العذب. وقد ورد المعنيان في القرآن، فقال تعالى: فأغرقنا في اليم..(١٣٦) [الأعراف]، وهو خليج السويس وماؤه ملح، وهو امتداد البحر الأحمر.
وقال تعالى لموسى: إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (٣٨) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل..(٣٩) [طه] فاليم هنا هو نهر النيل العذب. [القاموس القويم]..

٤ -" أم موسى عاشت في خوف مظنون مصحوب بقلق، فقد يحدث وقد لا يحدث، كما عاشت في خوف محقق وهو إلقاء ابنها في البحر، فالبحر يعني الغرق... ولكن جانب الإلهام جعلها تستقبل الخوف المحقق بالإيمان التقي، فالبحر استقبله، والموج يداعبه، والشاطئ يقبله، والعدو يربيه، وعين الله ترعاه..
٥ - الساحل: شاطئ النهر؛ لأن الموج يأكل منه وينحته ويسحته، قال تعالى: فليقه اليم بالساحل..(٣٩) [طه] أي: بشاطئ النهر. [القاموس القويم]..
٦ - الصر: البرد الشديد. قال تعالى: كمثل ريح فيها صر..(١١٧) [آل عمران] وقال تعالى: وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (٦) [الحاقة] [القاموس القويم]..
٧ - السجيل: الطين المتحجر، قال تعالى: .. وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (٨٢) [هود] وقال تعالى: ترميهم بحجارة من سجيل (٤) [الفيل] [القاموس القويم]..
٨ - أبابيل: جماعات متفرقة لا واحدة لها من لفظها، وهي تفيد الكثرة. قال تعالى: وأرسل عليهم طيرا أبابيل(٣) [الفيل] القاموس القويم]..
٩ - هو: أبو الطيب أحمد بن الحسين، شاعر حكيم، ولد بالكوفة في محلة تسمى "كندة: عام ٣٠٣هـ، نشأ بالشام، ادعى النبوة في بادية السماوة [بين الكوفة والشام]، ولذلك سمى بالمتنبي، ثم رجع عن دعواه بعد أسره، توفي عام ٣٥٤ هـ عن ٥٢ عاما. [الأعلام لخير الدين الزركلي]..
١٠ - المتنبي رغم أنه أديب له قدرة على إدارة المعاني، فقد تعرض لحقيقة علمية يؤخذ منها الأسرار الخفية، التي تجعل العقل مختارا بتوحيد لقدرة الله سبحانه..
١١ - البضع: النكاح والجماع، والمباضعة: المجامعة ومباشرة الرجل للمرأة [لسان العرب- مادة: بضع]..
١٢ - فللمرأة –مثلا- ذمة مالية خاصة بها، ليس من حق زوجها الاستيلاء على مالها، أو التدخل في كيفية استثماره إلا بعد موافقتها بإرادتها الحرة..
١٣ - ميثاقا غليظا: أي: عظيما كبير الشأن، هو ميثاق الزواج. [القاموس القويم]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير