ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ ﰿ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان صالح عليه السلام :
ويا قوم هذه ناقة١ الله لكم آية٢ فذروها٣ تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء٤ فيأخذكم عذاب قريب ( ٦٤ ) :
وكان قوم صالح قد طلبوا آية، فقالوا له : إن كنت نبينا فأخرج لنا ناقة من تلك الصخرة، وأشاروا إلى صخرة٥ ما، وهم قوم كانوا نابغين في نحت بيوتهم في الجبال. ومن يزر المنطقة الواقعة بين الشام والمدينة، يمكنه أن يشاهد مدائن صالح، وهي منحوتة في الجبال.
وقد قال فيهم الحق سبحانه : وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين٦ ( ١٤٩ ) [ الشعراء ] : هم- إذن- قد حددوا الآية، وهي خروج ناقة من صخرة أشاروا إليها، فخرجت الناقة وهي حامل.
وبعد أن وجدت الناقة على وفق ما طلبوها لم يطيقوا أن يعلنوا التصديق، وقد قال لهم صالح عليه السلام : ويا قوم هذه ناقة الله.. ( ٦٤ ) [ هود ] : وساعة تسمع شيئا مضافا إلى الله تعالى، فاعلم أن له عظمة بعظمة المضاف إليه.
مثلما نقول : " بيت الله "، وهذا القول إن أطلق فالمقصود به الكعبة المشرفة، وإن حددنا موقعا وقلنا عنه : " بيت الله " فنحن نبني عليه مسجدا، وتكون أرضه قد حكرت لتكون مصلى، ولا يزاول فيها أي عمل آخر.
هكذا تكون الكعبة هي بيت الله باختيار الله تعالى، وتكون هناك مساجد أخرى هي بيوت لله باختيار خلق الله.
ولذلك فبيت الله-باختيار الله- هو قبلة لبيوت الله باختيار خلق الله.
إذن : فإن أضيف شيء لله تعالى، فهو يأخذ عظمة الحق سبحانه وتعالى، وقد قال لهم صالح : هذه ناقة الله.. ( ٦٤ ) وهي ليست ناقة زيد أو ناقة عمرو.
ولم يلتفت قوم صالح إلى ما قاله صالح عليه السلام، ولم يلحظوا أن الشيء المنسوب لله تعالى له عظمة من المضاف إليه.
ومثال ذلك : ابن أبي لهب٧، وكان قد تزوج ابنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحين اشتد عناد أبي لهب للرسول صلى الله عليه وسلم، قال أبو لهب لابنه : طلق بنت محمد، فطلقها، وفعل فعلا يدل على الازدراء٨، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :( أما إني أسأل ألله أن يسلط عليه كلبه )٩.
فقال أبو لهب : إني لأتوجس شر من دعوة محمد.
ثم سافر ابن أبي لهب مع بعض قومه في رحلة، وكانوا إذا ناموا طلب أبو لهب مكانا في وسط رحال الركب كله خوفا على ابنه من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بأسد يقفز من الرحال ويأكل الولد، فهنا نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر إلى الله فقال :( أكلك كلب من كلاب الله ) فكان كلب الله أسدا.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يوضح لهم صالح عليه السلام : هذه الناقة هي الآية التي طلبتموها وقد جاءت من الصخر.
وكان يقدر أن يأتي لهم بالجنس الأرقى من الجماد، وهو النبات، ولكن الحق سبحانه استجاب للآية التي طلبوها وهي من جنس الحيوان.
ونحن نعلم أن الكائنات الأرضية إما أن تكون جمادا، وإما أن يأخذ الجماد صفة النمو فيصير نباتا، وإما أن يأخذ صفة الحس والحركة فيصير حيوانا، وإما أن يأخذ صفة الحس والحركة والفكر فيصير إنسانا.
وكان من الممكن أن يأتي لهم صالح عليه السلام بشجرة من الصخر، وهذا أمر فيه إعجاز أيضا، ولكن الحق سبحانه أرسل الآية كما طلبوها ؛ ناقة من جنس الحيوان، وحامل في الوقت نفسه.
وطالبهم صالح عليه السلام أن يحافظوا عليها ؛ لأنها معجزة، عليهم ألا يتعرضوا لها، وقال لهم : .. فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ( ٦٤ ) [ هود ] : وهكذا وعظهم، وطلب منهم أن يتركوها تأكل في أرض الله، وإن مسوها١٠ بسوء ولم يأخذهم عذاب، فمن آمن به لا بد أن يكفر.
إذن : فلا بد أن يأتي العذاب القريب إن هم مسوها.
وهم قد مسوها بالفعل، وهو ما تبينه الآية الكريمة التالية :
فعقروها١١ فقال تمتعوا١٢ في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب١٣ ( ٦٥ ) :

١ - الناقة: أنثى الجمل، ونسبت ناقة صالح لله، لأنها ناقة فقراء الله تسقيهم لبنها، أو لأنها منذورة لله وإن الله حاميها وراعيها، أو لأنها ناقة رسول الله، ونسبت لله تشريفا لها. [القاموس القويم]..
٢ - آية: معجزة دالة على صدق نبوة صالح عليه السلام. [كلمات القرآن]..
٣ - ذروها: دعوهخ أو اتركوها. وهذا الفعل لم يستعمل منه إلا المضارع والأمر؛ فمن المضارع قوله تعالى: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض..(١٢٧) [الأعراف] وقوله تعالى: وقالوا لا تذرن آلهتكم..(٢٣) [نوح] أي: لا تتركن آلهتكم، ومن الأمر قوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا (١١)[المدثر] أي: اتركني أنتقم منه وأعاقبه على جرائمه ضد الدين والقرآن، وهو أسلوب تهديد ووعيد. وقوله تعالى: .. ذرنا نكن مع القاعدين (٨٦) [التوبة] أي: اتركنا. [القاموس القويم] بتصرف.
وجاء في مختصر تفسير الطبري: فذروها تأكل في أرض الله..(٦٤) [هود] أي: اتركوها تأكل من أرض الله، ليس عليكم رزقها ولا مؤونتها..

٤ - ولا تمسوها بسوء..(٦٤) أي: لا تقتلوها ولا تنالوها بعقر، [مختصر تفسير الطبري]..
٥ - قال القرطبي في تفسيره [٤/٣٣٧٨]: "قيل: أخرجها من صخرة صماء منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثية"..
٦ - فره: أشر وبطر فهو فره، وفره فراهة وفروهة: حذق ومهر ونشط وخف فهو فاره. وقرئ بهما قوله تعالى: وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (١٤٩) [الشعراء] أي: حاذقين نشطين، وقرئ [فرهين] أي: بطرين أشرين. [القاموس القويم]..
٧ - قيل في اسمه ثلاثة أقوال: لهب، عتبة، عتيبة، ذكرها البيهقي في دلائل النبوة [٢/٣٣٨] وقال أيضا: كانت أم كلثوم بنت رسول الله تحت عتيبة بن أبي لهب، وكانت رقية تحت أخيه عتبة بن أبي لهب..
٨ - وذلك أنه لما أنزل الله عز وجل [تبت يدا أبي لهب] قال أبو لهب لا بنيه عتيبة وعتبة: رأسي ورؤوسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عتبة طلاق رقية، وسألته رقية ذلك وقالت له أم كلثوم بنت حرب بن أمية- وهي حمالة الحطب: طلقها يا بني فإنها قد صبت فطلقها، وطلق عتيبة أم كلثوم، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم حين فارق أم كلثوم فقال: كفرت بدينك، وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، ثم تسلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق قميصه، فقال صلى الله عليه وسلم: (أما إني أسأل الله أن يسلط عليه كلبه) دلائل النبوة للبيهقي (٢/٣٣٨، ٣٣٩]، أورده الهيثمي في مجمع الزوائد [٦/١٩] وعزاه الطبراني مرسلا وقال: فيه زهير بن العلاء وهو ضعيف، وقد أخرجه الحاكم في مستدركه [٢/٥٣٩] من حديث أبي عقرب وصححه. وحسنه ابن حجر في الفتح [٤/٣٩].
.

٩ - الكلب: كل سبع عقور، ومنه الأسد، قال ابن سيده: غلب الكلب على هذا النوع النابح. وقد يكون التكليب واقعا على الفهد وسباع الطير. وفي التنزيل العزيز: وما علمتم من الجوراح مكلبين..(٤) [المائدة]، فقد دخل في هذا: الفهد، والبازي، والصقر، والشاهين، وجميع أنواع الجوارح) [انظر اللسان مادة: كلب] وانظر فتح الباري [٤/٣٩].
١٠ - المس: الجنون على تخيل أن الجن مسته كقوله تعالى: كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس..(٢٧٥) [البقرة] أي: المصروع الذي لا يعي مسه وماسه مماسة أو مساسا مس كل منها الآخر مفاعلة من الجانبين وتماس الزوجان تلاقت بشراتهما ومن جلد كل منهما جلدا الآخر، ومسه من باب فرح مسا أجري يده عليه من غير حائل ومسته النار أصابته ومسه المرض: أصابه على إعجاز، وقوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون (٧٩) [الواقعة] أي: لا يمسك بالمصحف إلا الطاهرون من الحدث الأكبر.[القاموس القويم بتصرف صـ ٢٢٦ حـ٢]..
١١ - العقر: أصل كل شيء، وعقرته: أصبت عقره، كقوله تعالى: فعقروها..(٦٥) [هود] أي: أصابوها إصابة قاتلة، أي: نحروها. [القاموس القويم]..
١٢ - تمتع واستمتع بمعنى واحد. ومتع بالشيء، انتفع به، والمتاع: مصدر يسمى به الشيء المنتفع به، والمتاع: كل ما ينتفع به من طعام وأثاثا وأداة ومال. وقال تعالى: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (٣) [الحجر] وقال تعالى: .. والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (١٢) [محمد]. [القاموس القويم] بتصرف..
١٣ - وعد غير مكذوب: أي: وعد صادق واقع لا محالة؛ وهو من قبيل تأكيد الشيء بنفي نقيضه..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير