ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

وهنا تتعجب زوجة إبراهيم عليه السلام من أمر الإنجاب ؛ لأن هذا شيء عجيب يقع على غير انتظار ؛ ولذلك يرد الملائكة عليها.
ويقول الحق سبحانه عن ذلك :
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ( ٧٣ ) :
والعجب- إذن- إنما يكون من قانون بشرى، وإنما القادر الأعلى سبحانه له طلاقة القدرة في أن يخرق الناموس. ومن خرق النواميس جاءت المعجزات لتثبت صدق البلاغ من الله تعالى، فالمعجزات أمر خارق للعادة الكونية.
والقصة التي حدثت لإبراهيم عليه السلام وامرأته تكررت في قصة زكريا عليه السلام، والحق سبحانه هو الذي أعطى مريم عليها السلام بشارة التذكير لزكريا عليه السلام حين سألها : أنى١ لك هذا... ( ٣٧ ) [ آل عمران ]، فقالت مريم :
.. هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ( ٣٧ ) . [ آل عمران ].
إذن : فالحساب يكون بين الخلق وبعضهم، لا بين الخالق- سبحانه- وخلقه.
ولذلك يأتي قول الحق عز وجل : هنالك دعا زكريا ربه.. ( ٣٨ ) [ آل عمران ].
ومادام زكريا عليه السلام قد تذكر بقول مريم : .. إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ( ٣٧ ) [ آل عمران ].
فمن حقه أن يدعو : قال رب هب لي من لدنك ذرية.. ( ٣٨ ) [ آل عمران ] : فأوحى له الله سبحانه وتعالى : يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ( ٧ ) [ مريم ] : أي : أن الحق سبحانه لم يرزقه الابن فقط، بل وسماه له أيضا باسم لم يسبقه إليه أحد.
وتسمية الله تعالى غير تسمية البشر، فإن كان بعض البشر قد سموا من بعد ذلك بعض أبنائهم باسم " يحيى " فقد فعلوا ذلك من باب الفأل٢ الحسن في أن يعيش الابن.
لكن الحق سبحانه حين يسمى اسما، فقد سماه " يحيى " ليحيا بالفعل، ويبلغ سن الرشد، ثم لا يأتي الموت ؛ لذلك قتل٣ يحيى وصار شهيدا، والشهيد حي عند ربه لا يأتي إليه موت أبدا٤.
وهذا عكس تسمية البشر ؛ لأن الإنسان قد يسمي ابنه " سعيد " ويعيش الابن حياته في منتهى الشقاء.
والشاعر يقول عن الإنسان الذي سمى ابنه " يحيى "
وسميته يحيى ليحيا فلم يكن **** لرد قضاء الله فيه سبيل
وحين نرجع إلى أن مريم عليها السلام هي التي نبهت إلى قضية الرزق من الله، نجد أن زكريا عليه السلام قد دعا، وذكر أنه كبير السن٥ وأن زوجه عاقر.
ولا بد أن زكريا عليه السلام يعرف أن الحق سبحانه وتعالى يعلم كل شيء أزلا٦، ولذلك شاء الله سبحانه أن يطمئن زكريا عليه السلام بأنه سيرزقه الولد ويسميه، ويأتي قول الحق سبحانه وتعالى : كذلك قال ربك... ( ٦ ) }[ مريم ] : ومادام الحق سبحانه وتعالى هو الذي قرر، فلا راد لما أراده، ولذلك يقول سبحانه : .. هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ( ٩ ) [ مريم ]
وهكذا توالت الأحداث بعد أن نبهت مريم زكريا عليه السلام : إلى قضية خرق النواميس التي تعرضت هي لها بعد ذلك، حينما تمثل لها الملك بشرا، وبشرها بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم- عليه السلام-. وتساءلت مريم عن كيفية حدوث ذلك- وهي التي لم يمسسها بشر- فيذكرها الملك بأنها هي التي أجرى الله سبحانه وتعالى على لسانها قوله الحق في أثناء كلامها مع زكريا عليه السلام : .. إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ( ٣٧ ) [ آل عمران ].
وكان لابد من طمأنتها ؛ لأن إنجابها للمسيح عيسى- عليه السلام- دون أب هي مسألة عرض، ويجب أن يتقبل عليها وهي آمنة، غير مرتاب فيها ولا متهمة.
والآية التي نحن بصددها هنا تتعرض لامرأة إبراهيم عليه السلام حين جاءتها البشارة بالطفل، وكيف أوضحت لها الملائكة أنه لا عجب مما قدره الله تعالى وأراده، خلافا للناموس الغالب في خلقه ؛ لأن رحمة الله تبارك وتعالى بكل خير فيها قد وسعت أهل بيت النبوة، ومن تلك الرحمة والبركات هبة الأبناء في غير الأوان المعتاد٧.
ولهذا قال الحق سبحانه هنا : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت.. ( ٧٣ ) [ هود ].
وينهى الحق سبحانه الآية بقوله تعالى : .. إنه حميد مجيد ( ٧٣ ) [ هود ] : أي : أنه سبحانه يستحق الحمد لذاته، وكل ما يصدر عنه يستوجب الحمد له من عباده، فلا حد لخيره وإحسان، ولله تعالى مطلق صفات المجد.
وكلمة " حميد " -في اللغة- من فعيل : وترد على معنيين : إما أن تكون بمعنى فاعل مثل قولنا : " الله رحيم " بمعنى أنه راحم خلقه. وإما أن تكون بمعنى مفعول ؛ كقولنا : " قتيل " بمعنى " مقتول ".
وكلمة " حميد " هنا تأتي بالمعنيين معا : " حامد " و " محمود "، مثل قول الحق سبحانه عن نفسه أنه " الشكور " ؛ لأنه سبحانه يشكر من يشكره على نعمه بطاعته، والله سبحانه " حميد " ؛ لأنه حامد لمن يطيعه طاعة نابعة من الإيمان، والله سبحانه " محمود " ممن أنعم عليهم نعمه السابغة.
والله سبحانه هو المجيد الذي يعطي قبل أن يسأل.
ولذلك نجد عارفا بالله تعالى قد جاءه سائل، فأخرج كيسا ووضعه في يده، ثم رجع إلى أهله يبكي، فقالت له امرأته : وما يبكيك وقد أديت له حق سؤاله ؟ قال : أنا أبكي لأني تركته ليسألن، وكان المفروض ألا أجعله يقف موقف السائل.
والحق سبحانه وتعالى أعطانا، حتى قبل أن نعرف كيف نسأل، ومثال ذلك : هو عطاء الحق سبحانه وتعالى للجنين في بطن أمه، والجنين لم يتعلم الكلام والسؤال.
والحق سبحانه وتعالى في كل لقطة من لقطات القرآن يعطي فكرة اجتماعية مأخوذة من الدين، فها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يقدم العجل الحنيذ للضيوف، ليعلمنا أنه إذا جاء لك ضيف، وعرضت عليه الطعام، ولم يأكل، فلا ترفع الطعام من أمامه، بل عليك أن تسأله أن يأكل، فإن رد بعزيمة، وقال : لقد أكلت قبل أن أحضر إليك، فلك ان ترفع الطعام من أمامه بعد أن أكدت عليه في تناول الطعام.
ويروى بعض العارفين٨ أن سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال : ألا تأكلون ؟ قالت الملائكة : لا نأكل إلا إذا دفعنا ثمن الطعام، فقال إبراهيم، بما آتاه الله من حكمة النبوة ووحي الإلهام : ثمنه أن تسموا الله أوله، وتحمدوه آخره٩.
وأنت إذا أقبلت على طعام وقلت في أوله : " بسم الله الرحمان الرحيم " وإذا انتهيت منه وقلت : " الحمد لله " ؛ تكون قد أديت حق الطعام مصداقا لقول الحق سبحانه : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ( ٨ ) [ التكاثر ] : وهكذا بين لنا الحق سبحانه أن إبراهيم عليه السلام وزوجه قد اطمأنا على أن الملائكة قد جاءت لهما بالبشرى، وأنها لا تريد بإبراهيم أو بقومه سوءا، بل هي مكلفة بتعذيب قوم لوط.
وهنا يقول الحق سبحانه :
فلما ذهب عن إبراهيم الروح١٠ وجاءته البشرى يجادلنا١١ في قوم لوط( ٧٤ ) :

١ - أنى: اسم استفهام بمعنى: من أين. وتأتي بمعنى: كيف مثل قوله تعالى: فآتوا حرثكم أنى شئتم...(٢٢٣) [البقرة] أي: كيف شئتم بشرط اتباع الفطرة المستقيمة التي تشير إليها الآية في قوله تعالى: فآتوا حرثكم أنى شئتم..(٢٢٣) [البقرة] وجاءت في بعض الآيات صالحة للمعنيين مثل قوله تعالى: أنى يكون لي غلام..(٤٠) [آل عمران]. [القاموس القويم صـ ٤١ ح ١]..
٢ - الفأل: ضد الطيرة، والجمع: فئول وأفول، ومنها: التفاؤل، وهو الاستبشار بالخير. [مختار القاموس] بتصرف..
٣ - قال ابن كثير في قصص الأنبياء [ص ٣٩٠]: "ذكروا في قتله أسبابا من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد ان يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك فبقي في نفسها منه، فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى، فوهبه لها فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طست إلى عندها، فيقال إنها هلكت من فورها وساعتها"..
٤ - وفي هذا يقول الحق سبحانه: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (١٦٩) [آل عمران]..
٥ - قال زكريا: .. رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (٤) [مريم] وقال بعد تبشيره بيحيى: قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (٨) [مريم] قال مجاهد: عتيا يعني: نحول العظم. قال ابن كثير في تفسيره [٣/١١٢]: "لم يبق فيه لقاح ولا جماع"..
٦ - الأزل: القدم أصلها "لم يزل"، قال أبو منصور: ومنه قولهم: هذا شيء أزلي، أي: قديم [لسان العرب]..
٧ - قال القرطبي في تفسيره [٤/٣٣٨٩]: "من تلك الهبات والبركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارة" بتصرف..
٨ - هو عمر بن دينار الجمحي بالولاء أبو محمد الأثرم، ففيه، كان مفتي أهل مكة، فارسي الأصل، مولده بصنعاء ٤٦ هـ ووفاته بمكة [١٢٦هت] عن ٨١ عاما، قال شعبة: ما رأيت أثبت في الحديث منه. الأعلام للزركلي [٥/٧٧]..
٩ - ذكر هذا الأثر السيوطي في الدر المنثور [٤/ ٤٥٠] وفي آخره أن الملائكة نظرت لبعضها البعض وقالوا: "لهذا اتخذك الله خليلا" وعزاه لابن المنذر عن عمرو بن دينار..
١٠ - راعه الشيء يروعه، روعا: أصاب روعه، أي قلبه، والروع: القلب- بضم الراء. وقوله تعالى: فلما ذهب عن إبراهيم الروع..(٧٤) [هود] أي: ذهب عنه الخوف والفزع. [القاموس القويم]..
١١ - الجدل: المنازعة في الرأي وشدة الخصومة. قال تعالى: .. وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (٥٤) [الكهف] أي: أكثر مبالغة في الخصومة وتأييدا للباطل بغير حق. [القاموس القويم]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير