أخرج إسحاق وابن عساكر عن طريق جرير ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس وكذا أذكر البغوي عنه أنه قال : أغلق لوط بابه و أضيافه يعني الملائكة في الدار وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب وهم يعالجون تسور الجدار فلما رأت الملائكة ما يلقي لوط منهم قالوا يا لوط إن ركنك لشديد إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب ودخلوا فاستأذن جبرئيل عليه السلام في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه، وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبين ورأسه حبك حبك مثل المرجان كان الثلج بياضا وقدماه إلى الخضرة، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم، فصاروا لا يعرفوا الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم، فانصروا وهم يقولون النجاء النجاء، فغن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض سحرونا، وجعلوا يقولون يا لوط كما أنت حتى تصبح ونصبح وسترى ما تلقى منا غدا، يوعدونه فقال : لهم لوط متى موعد هلاكهم، قالوا : الصبح، قال أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن فقالوا أليس الصبح بقريب ثم قالوا فاسر يا لوط بأهلك قرأ الحرميان فأسر وان بوصل الألف حيث وقع من المجرد والباء حينئذ للتعدية، والباقون بقطعها من الأفعال والباء زائدة ومعناه السير في الليل بقطع من الليل قال : ابن عباس بطائفة من الليل، وقال الضحاك ببقيته، وقال قتادة بعد ما مضى أوله، وقيل انه السحر الأول لا يلتفت منكم أحدا أي لا ينصرف منكم أحد من السير فيختلف عنك، في القاموس لفتة لواه وصرفه عن رأيه ومنه الالتفات والتلفت، قلت فالمجرد منه متعد والالتفات لازم بمعنى الانصراف، وقيل معنى لا يلتفت لا ينظر من ورائه، فالأمر بالإسراء متوجه إلى لوط والنهي عن الانصراف أو النظر غلى اللواء متوجه إلى من تبعه إلا امرأتك قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالرفع على إنه يدل من احد، فهي مستثناة من النهي عن الانصراف والتخلف أو النظر إلى الوراء، قال : البغوي معنى الآية على هذه القراءة لا يلتفت أحد غلا امرأتك فإنها تلتفت فتهلك، وكان لوط قد أخرجها معه ونهى من تبعه ممن أسرى بهم أن يلتفت سوى زوجته، فإنها لما سمعت هذه العذاب التفت وقالت يا قوماه فأدركها حجر وقتلها، وقرأ أكثر القراء بالنصب على الاستثناء فاختلفوا فقال : البغوي وغيره استثناء من الإسراء أي فأسر بأهلك غلا امرأتك فلا تسر بها وخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم وتصدقه قراءة ابن مسعود فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ولا يلتفت منكم احد ومقتضى هذا الكلام أن في إخراجها مع أهله روايتان، إحداهما انه أخرجها معهم وأمروا أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فالتفتت وقالت يا قوماه، وثانيهما أنه أمر بإسراء غيرها من أهله، فإن هواها إليهم فلم يسر بها، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين، وكذا قال : صاحب المدارك وهذا القول غير سديد فإن الروايتين متناقضتان لا يمكن جمعها فإن خروجها وعدم خروجها نقيضان، فإحداهما باطل بيقين والقراءتان قطعيتان ولا يصح حمل القواطع على المعاني المتناقضة، ولهذا قال : البيضاوي الأولى جعل الاستثناء في القراءتين عن قوله ولا يلتفت منكم أحد ومثله قوله تعالى ما فعلوه إلا قليل ١ وإلا قليلا على القراءتين، ويريد عليه أن مختار النحويين في كلام غير موجب البدل وإن كان الجنائز النصب أيضا فحمل قراءة أكثر القراء على غير الأفصح غير ملائم، وأجاب عنه البيضاوي بأن لا بعد أن يكون أكثر القراء على غير الأفصح لكونه فصيحا أيضا، ولا يلزم من ذلك الاستثناء من النهي الالتفات أمرها بالالتفات بل عدم نهيها عنه استصلاحا، ولذلك علله على طريقة الاستئناف بقوله إنه مصيبها ما أصابهم قلت وعلى ما ذكر البيضاوي محمل قراءة ابن مسعود انه من كلام ابن مسعود قاله تفسير للقرآن على رأيه، يعني جعل الاستثناء من الأهل كما هو رأي أكثر المفسرين والله، أعلم، قلت وجاز أن يكون الاستثناء على قراءة النصب منقطعا، فإن امرأة لوط لم تكن من أهله لأنها كانت كافرة على غير صالح، وقد قال : الله تعالى لنوح في ابنه الكافر إنه ليس من أهلك ٢ فلم تكن من أهله في المخاطبين بقوله ولا يلتفت منكم احد وأما على قراءة الرفع فاعتبرت من أهله من زمرة المخاطبين نظرا على وصلة النكاح، ولا منافاة بين الاعتبارين، قلت : ويمكن أن يقال قراءة النصب الاستثناء من احد ولا منافاة بينهما، ، وليس بناء على القراءتين على روايتي خروج امرأة لوط وعدم خروجها بل يصح معنى القراءتين على كل من الروايتين فإنه على تقدير الاستثناء من الأهل معنى الآية أسر بأهلك إلا بإمرتك ومقتضاه كون لوطا فأمورا بحملهم جميعا على السير غير امرأته وذالا يستلزم خروجهم ولا عدم خروجهم، فكيف يقتضي خروجها وهي لم تكن مؤتمرة بلوط، ولم يكن لوط مأمورا بإخراجها، ولا يقتضي أيضا عدم خروجها وغن كان لوط لم يأمرها بالخروج، وعلى تقدير الاستثناء من الالتفات النهي من الالتفات متوجه على لوط ومن معه غير امرأته وذا أيضا لا يستدعي خرجها ولا عدم خروجها، فإن المستثنى في حكم المسكوت عنه فلعلها خرجت والتفتت كما روي ولعلها لم تخرج أصلا، وغن كان لوط أمرها بالخروج فإنها لم تكن مؤتمرة له، ولعل البيضاوي نظر إلى ما قلت حتى قال : والأولى جعل الاستثناء في القراءتين عن قوله لا يلتفت ولم يقل فالواجب ذلك والله اعلم إن موعدهم الصبح وكان علة للمر بالإسراء أي موعد هلاكهم وقت الصبح فقال : لوط أريد أسرع من ذلك فقال : أليس الصبح بقريب .
٢ سورة هود، الآية: ٤٦..
التفسير المظهري
المظهري