ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما قالته الملائكة للوط عليه السلام : قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع١ من الليل ولا يتلفت منكم أحدا إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ( ٨١ ) :
وهكذا علم لوط- لأول مرة- أنهم رسل من الله تعالى، رغم أنهم حين تكلموا مع إبراهيم لم يقولوا أنهم رسل من الله ؛ ليدلنا على أن إبراهيم عليه السلام كان يعلم أنهم رسل من الحق سبحانه، لكنه لم يكن يعلم سبب مجيئهم.
وهم حين أخبروا لوطا : إنا رسل ربك لن يصلوا إليك.. ( ٨١ ) فمن باب أولى ألا يصلوا إليهم، وتخبر الملائكة لوطا أن يسري بأهله ليلا أي : اخرج بأهلك في جزء من الليل، وقد أوضحت الملائكة أن موعد النكال٢ بقوم لوط هو الصبح : .. إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ( ٨١ ) [ هود ].
لذلك قالوا : فأسر بأهلك بقطع من الليل... ( ٨١ ) [ هود ] : والمقصود أن يترك ربع الليل الأول، وربعه الآخر، وأن يسير في نصف الليل الذي بعد ربع الليل الأول وينتهي عند ربع الليل الأخير، وقيل : إن أليق ما يكون بالقطع هو النصف.
ثم يقول الحق سبحانه : ولا يلتفت٣ منكم أحد.. ( ٨١ ) [ هود ] : والالتفات : هو الانصراف عن الشيء الموجود قبالتك، ويسمى الانصراف عن المقابل. فهل المقصود هو الالتفات الحسي أم الالتفات المعنوي ؟
نحن نعلم أن لوطا سيصحب المؤمنين معه ؛ من ديارهم وأموالهم، وما ألفوه من مقام ومن حياة ؛ لذلك تنبههم الملائكة ألا تتجه قلوبهم إلى ما تركوه، وعليهم أن ينقذوا أنفسهم، وسيعوضهم الله سبحانه خيرا مما فاتهم.
هذا هو المقصود بعدم الالتفات المعنوي، وأيضا مقصود به عدم الالتفات الحسي.
وتوصي الملائكة لوطا عليه السلام ألا يصحب امرأته معه ؛ لأنها خانته بموالاتها للقوم المفسدين، وإفشائها للأسرار، وعليه أن يتركها مع الذين يصيبهم العذاب.
ولكنها لحظة الخروج ادعت أنها مخلصة للوط، وقالت : سأخرج حيث تخرج، ثم نظرت إلى القوم وقالت : واقوماه ورجعت لتمكث معهم، ولينالها العذاب الذي نالهم في الموعد الذي حددته الملائكة وهو الصبح :(.. إن موعدهم الصبح٤ أليس الصبح بقريب ( ٨١ ) }[ هود ] : وقد تحدد الصبح لإهلاكهم ؛ لأنه وقت الدعة والهدوء فيكون العذاب أشد نكالا.
٢ - النكال: التنكيل والعقوبة الشديدة الزاجرة. قال تعالى: فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (٢٥) [النازعات] أي: عذبه الله عذابا شديدا يعد عبرة لغيره في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (٦٦) [البقرة] أي: جعلها الله- بالعذاب الشديد- عبرة لأهل زمانها، ولمن يأتي بعدها، وللمتقين في كل زمان. وقال تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله..(٣٨) [المائدة] أي: عقوبة زاجرة فرضها الله تعالى ليتعظ بها الناس. [القاموس القويم].
.
٣ - التفت الرجل: أمال وجهه ونظر يمنة أو يسرة، أو انحرف ورجع عن وجهته، قال تعالى: فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يتلفت منكم أحدا..(٨١) [هود] أي: لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ولا إلى الخلف، فيرجع وينصرف عن السير معك. [القاموس القويم ٢/١٩٦]..
٤ - قال القرطبي في تفسيره (٤/٣٤٠٠): "يحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم، لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي