الأوّل : قالوا له يا شعيب ما نفقه ، أي : ما نفهم كثيراً مما تقول . فإن قيل : إنه كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا ما نفقه ؟ أجيب : بأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم لشدّة نفرتهم عن كلامه وهو قوله تعالى : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه [ الأنعام، ٢٥ ] أو أنهم فهموه ولكنهم ما أقاموا له وزناً، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه : ما أدري ما تقول.
النوع الثاني : قولهم له : وإنا لنراك فينا ضعيفاً ، أي : لا قوّة لك فتمتنع منا إن أردناك بسوء أو ذليلاً لا عز لك، وقيل : أعمى بلغة حمير، قاله قتادة، وفي هذا تجويز العمي على الأنبياء إلا أنّ هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى ؛ لأنه ترك الظاهر من غير دليل، وقيل : ضعيف البصر، قاله الحسن. النوع الثالث : قولهم له : ولولا رهطك ، أي : عشيرتك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا لخوف من شوكتهم لرجمناك بالحجارة حتى تموت، والرهط من الثلاثة إلى عشرة، وقيل : إلى السبعة، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا له أنه لا حرمة له عندهم ولا وقع له في صدورهم وأنهم إنما لم يقتلوه لأجل احترام رهطه. النوع الرابع : قولهم له : وما أنت علينا بعزيز ، أي : لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك ؛ لأنهم من أهل ديننا ولم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني