يقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب عليه السلام :
ويا قوم اعملوا على مكانتكم١ إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ( ٩٣ ) :
إذن : فشعيب عليه السلام عند القضية المخالفة ؛ لأن الله تعالى عنده أعز من رهطه ؛ وباعتزازه بربه قد آوى إلى ركن شديد، وبهذا الإيمان يعلن لهم : افعلوا ما في وسعكم، وما في مكنتكم هو ما في مكنة البشر، وسأعمل ما في مكنتي، ولست وحدي، بل معي الله سبحانه وتعالى ؛ ولن تتسامى قوتكم الحادثة على قدرة الله المطلقة.
ومهما فعلتم لمعارضة هذا الإصلاح الذي أدعوكم إليه ؛ فلن يخذلني الذي أرسلني ؛ وما دمتم تريدون الوقوف في نفس موقف الأمم السابقة التي تصدت لموجات الإصلاح السماوية ؛ فهزمهم الله سبحانه بالصيحة، وبالرجفة، وبالريح الصرصر٢، وبالقذف بأي شيء من هذه الأشياء، وقال لهم : اعملوا على مكانتكم، وإياكم أن تتوهموا أني أتودد إليكم ؛ فأنا على بينة من ربي، ولكني أحب الخير لكم، وأريد لكم الإصلاح.
ولم يقل شعيب عليه السلام هذا القول عن ضعف، ولكن قاله ردا على قولهم : وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك٣ لرجمناك.. ( ٩١ ) [ هود ] : وأبرز لهم مكانته المستمدة من قوة من أرسله سبحانه وتعالى، وقال : اعملوا على مكانتكم إني عامل.. ( ٩٣ ) [ هود ].
وهكذا أوضح لهم : أنا لن أقف مكتوف الأيدي، لأني سأعمل على مكانتي، و .. سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ( ٩٣ ) [ هود ] : أي : أن المستقبل سوف يبين من منا على الحق ومن منا على الضلال، ولمن سيكون النصر والغلبة، ومن الذي يأتيه الخزي ؛ أي : أن يشعر باحتقار نفسه وهوانها ؛ ويعاني من الفضيحة أمام الخلق ؛ ومن منا الكاذب، ومن على الحق.
وكان لا بد أن تأتي الآية التالية :
ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة٤ فأصبحوا في ديارهم جاثمين٥ ( ٩٤ ) :
٢ - الريح الصر والصرصر: شديدة البرد، وقيل: شديدة الصوت، قال الزجاج: الصر والصرة شدة البرد [قاله ابن منظور في اللسان]..
٣ - الرهط: جماعة دون العشر من الرجال، ورهط الرجل عشيرته وقبيلته، لا واحد له من لفظه. قال تعالى: ولولا رهطك لرجمناك..(٩١) [هود] أي: ولولا عشيرتك من الرجال لرجمناك. وقوله تعالى: تسعة رهط..(٤٨) [النمل] من إضافة الشيء إلى ما يبينه. [القاموس القويم ١/٢٧٨]..
٤ - الصيحة: اسم مرة من الصياح، وهو الصوت الشديد. والصيحة: العذاب الذي يصحبه صوت شديد. قال تعالى: يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (٤٢) [ق]. [القاموس القويم]..
٥ - جثم جثوما: لزم مكانه لاصقا بالأرض، قال تعالى: .. فأصبحوا في ديارهم جاثمين (٩٤) [هود] كناية عن موتهم بحالتهم فهم هامدون لا صقون بالأرض، [القاموس القويم]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي