على مَكَانَتِكُمْ لا تخلو المكانة من أن تكون بمعنى المكان، يقال : مكان ومكانة، ومقام ومقامة. أو تكون مصدراً من مكن مكانة فهو مكين. والمعنى : اعملوا قارّين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك والشنآن لي. أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها إِنّى عامل على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني مَن يَأْتِيهِ يجوز أن تكون مَن استفهامية، معلقة لفعل العلم عن عمله فيها ؛ كأنه قيل : سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب، وأن تكون موصولة قد عمل فيها، كأنه قيل : سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب.
فإن قلت : أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في سَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ قلت : إدخال الفاء : وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها : وصل خفي تقديريّ بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدّر، كأنهم قالوا : فماذا يكون إن عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت ؟ فقال : سوف تعلمون، فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف، للتفنن في البلاغة كما هو عادة بلغاء العرب، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه وارتقبوا وانتظروا العاقبة وما أقول لكم إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ أي منتظر. والرقيب بمعنى الراقب، من رقبه، كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم. أو بمعنى المراقب، كالعشير والنديم، أو بمعنى المرتقب، كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع. فإن قلت : قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان القياس أن يقول : من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو صادق. حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم، قلت : القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذباً قال : وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ يعني في زعمكم ودعواكم، تجهيلا لهم. فإن قلت : ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو، والساقتان الوسطيان بالفاء ؟ قلت قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد، وذلك قوله : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح [ هود : ٨١ ]، ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [ هود : ٦٥ ] فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب، كما تقول : وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت. وأما الأخريان فلم تقعا بتلك المثابة. وإنما وقعتا مبتدأتين، فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب