ويا قوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنّي عامل سَوْفَ تَعْلَمُونَ لما رأى إصرارهم على الكفر وتصميمهم على دين آبائهم، وعدم تأثير الموعظة فيهم، توعدهم بأن يعملوا على غاية تمكنهم ونهاية استطاعتهم، يقال : مكن مكانة : إذا تمكن أبلغ تمكن، وأخبرهم أنه عامل على حسب ما يمكنه ويقدّر الله له، ثم بالغ في التهديد والوعيد بقوله : سَوْفَ تَعْلَمُونَ أي : عاقبة ما أنتم فيه من عبادة غير الله والإضرار بعباده، وقد تقدّم مثله في الأنعام مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ من في محل نصب بتعلمون : أي : سوف تعلمون من هو الذي يأتيه العذاب المخزي الذي يتأثر عنه الذلّ والفضيحة والعار وَمَنْ هُوَ كَاذِب معطوف على من يأتيه ؛ والمعنى : ستعلمون من هو المعذب ومن هو الكاذب ؟ وفيه تعريض بكذبهم في قولهم : لَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ . وقيل : إن «من » مبتدأ، وما بعدها صلتها، والخبر محذوف، والتقدير : من هو كاذب فسيعلم كذبه ويذوق وبال أمره. قال الفراء : إنما جاء بهو في مَنْ هُوَ كاذب لأنهم لا يقولون من قائم، إنما يقولون : من قام، ومن يقوم، ومن القائم، فزادوا هو ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل. قال النحاس : ويدل على خلاف هذا قول الشاعر :
| من رسولي إلى الثريا فإني | ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب |
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في قوله : وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا قال : الحلال. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ قال : يقول لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركبه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : وَإِلَيْهِ أُنِيبُ قال : إليه أرجع. وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن عليّ، قال : قلت : يا رسول، الله أوصني، قال :" قل الله ربي ثم استقم "، قلت : ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، قال :" ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً " وفي إسناده محمد بن يوسف الكديمي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي لا يحملنكم فراقي. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، قال : شقاقي عداوتي. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال : لا تحملنكم عداوتي. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة، في قوله : وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ قال : إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود.
وأخرج أبو الشيخ، وابن عساكر، عن سعيد بن جبير وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا قال : كان أعمى، وإنما عمي من بكائه من حبّ الله عزّ وجلّ.
وأخرج الواحدي، وابن عساكر، عن شدّاد بن أوس، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«بكى شعيب عليه السلام من حبّ الله حتى عمي» وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والخطيب، وابن عساكر من طرق، عن ابن عباس، في قوله : وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا قال : كان ضرير البصر. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي صالح، مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن سفيان في قوله : وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا قال : كان أعمى، وكان يقال له خطيب الأنبياء. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، قال : معناه إنما أنت واحد. وأخرج أبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا قال : كان مكفوفاً، فنسبوه إلى الضعف وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك قال عليّ : فوالله الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم ما هابوا إلا العشيرة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال في الآية : لا تخافونه. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : تهاونتم به.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني