مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ أي ما دفع عنه ما حلّ به من التباب وما نزل به من عذاب الله ما جمع من المال ولا ما كسب من الأرباح والجاه ؛ أو المراد بقوله : ماله ما ورثه من أبيه، وبقوله : وَمَا كَسَبَ الذي كسبه بنفسه. قال مجاهد : وما كسب من ولد، وولد الرجل من كسبه، ويجوز أن تكون «ما » في قوله : مَا أغنى استفهامية : أي أيّ شيء أغنى عنه ؟ وكذا يجوز في قوله : وَمَا كَسَبَ أن تكون استفهامية : أي وأيّ شيء كسب ؟ ويجوز أن تكون مصدرية : أي وكسبه. والظاهر أن «ما » الأولى نافية، والثانية موصولة.
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين [ الشعراء : ٢١٤ ] خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف :«يا صباحاه، فاجتمعوا إليه، فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذباً، قال : فإني نذير لكم بني يدي عذاب شديد فقال أبو لهب : تباً لك إنما جمعتنا لهذا ؟ ثم قام فنزلت هذه السورة : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ». وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ . قال : خسرت. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت : إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ابنه من كسبه. ثم قرأت : مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ قالت : وما كسب ولده. وأخرج عبد الرزاق والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : وَمَا كَسَبَ قال : كسبه ولده. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس في قوله : وامرأته حَمَّالَةَ الحطب قال : كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبيّ صلى الله عليه وسلم ليعقره وأصحابه، وقال : حَمَّالَةَ الحطب نقالة الحديث. حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ قال : هي حبال تكون بمكة. ويقال : المسد العصا التي تكون في البكرة. ويقال : المسد قلادة من ودع. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو زرعة عن أسماء بنت أبي بكر، قالت :«لما نزلت : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول :
مذمماً أبينا *** ودينه قلينا *** وأمره عصينا
ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال :«يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به، كما قال تعالى : وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا [ الإسراء : ٤٥ ] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت : يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال : لا وربّ البيت ما هجاك، فولت وهي تقول : قد علمت قريش أني ابنة سيدها». وأخرجه البزار بمعناه، وقال : لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني