ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ

ولا يجوز رَوْم الحركة مع الإدغام، كما جاز الإشمام؛ لأن روم الحركة حركة، وإن كان الصوت قد أضعف بها، ولا يجوز الإدغام مع الحركة وإن كانت قد أضعفت؛ لأن اللسان لا يرتفع مع روم الحركة في الحرف المدغم عن الحرفين ارتفاعة واحدة، وأما من ترك الإشمام؛ فلأنه أخف على اللفظ، وهو قياس الإدغام.
قال أهل المعاني: هذا تلطف منهم مع أبيهم في أمر يوسف، وتشبيب لمساءلتهم إرساله معهم، بدأوا بالإنكار عليه خوفه إياهم على يوسف، وثنوا بإظهار النصح له في قولهم وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، قال ابن عباس (١): يريد في الرحمة والبر.
١٢ - قوله تعالى (٢): أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ، قرأ ابن كثير (٣) نرتع هو بالنون وكسر العين من الارتعاء، و (يلعب) بالياء، والارتعاء: افتعال من رعيت، يقال: رعى الماشيةُ الكلأ يرعاها رعيًا، إذا أكلته، والرعي الكلأ، ومثله ارتعى، قال الأعشى (٤):

تَرْتَعِي السَّفْحَ فالكثيب فَذَاقَارٍ فُرُوضَ القَطَا فَذَاتَ الرِّئالِ
هذا معنى الارتعاء للإبل والمواشي، وقد أضافوه إلى أنفسهم؛ لأن المعنى نرتعي إبلنا، ثم يحذف المضاف فيكون نرتعي، أو يقال حقيقة
(١) انظر: "تنوير المقباس" ص ١٤٧.
(٢) في (ج): (وقوله) بزيادة الواو.
(٣) الطبري ١٢/ ١٥٨، و"الحجة" ٤/ ٤٠٢، و"إبراز المعاني" ص ٥٣٣، و"النشر" ٣/ ١٢٣.
(٤) انظر "البحر المحيط" ٥/ ٢٧٦، و"اللسان" (سفح) ٤/ ٢٠٢٣، و"التنبيه والإيضاح" ١/ ٢٤٧، و"تاج العروس" (سفح) ٤/ ٩٠.

صفحة رقم 35

الرعي والارتعاء للماشية وينسب ذلك إلى أصحابها؛ لأنهم السبب في ذلك بإيرادها الكلأ ومواضعه والقيام عليها، فيسند ذلك إليهم، وعلى هذا يقول العرب: رعينا روضة كذا، ومكان كذا، وهو كثير في أشعارهم، ويحمل على ما ذكرنا من أحد الوجهين.
وأما فصله بين الارتعاء واللعب بالياء والنون، فحَسَنٌ؛ لأنه جعل الارتعاء والقيام على المال لمن بلغ وجاوز [الصغر، وأسند اللعب إلى يوسف لصغره، ولا لوم] (١) على الصغير في اللعب، وقرأ نافع (٢) كلاهما بالياء وكسر العين من يرتعي، أضاف الارتعاء إلى يوسف على معنى أنه يقوم على ماله في الارتعاء ليتدرب بذلك، فمرة يرتعي ومرة يلعب كفعل الصبيان، وقرأ أبو عمرو (٣) وابن عامر (٤) (نرتعْ) بالنون وجزم العين، ومثله (نلعبْ)، والعرب تقول: رتع المال، إذا رعى ماشيًا، وارتعتها أنا، والرتع لا يكون إلا في الخصب والسعة، وإبل رتاع، وقوم مرتعون وراتعون (٥) إذا كانوا مخاصيب.
وقال ابن الأعرابي: الرتع الأكل بشَرَه، يقال رتع يرتع رتعًا ورتاعًا (٦)، ومنه قولهم (٧): القيد والرتعة، ويقال بسكون التاء ومعناها الخصب ونيل ما يراد.

(١) ما بين المعقوفين بياض في (ب).
(٢) "السبعة" ص ٣٤٥ - ٣٤٦، و"إتحاف" ص ٢٦٢، و"الحجة" ٤/ ٤٠٢، ٤٠٣.
(٣) في (ج): (قرئ ابن عمرو).
(٤) "السبعة" ص ٣٤٥ - ٣٤٦، و"إتحاف" ص ٢٦٢، و"الحجة" ٤/ ٤٠٢، ٤٠٣.
(٥) (راتعون): ساقطة من (ج).
(٦) ما سبق كله نقل عن الأزهري في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٥٦ - ١٣٥٧. بتصرف.
(٧) مثل: وأصله أن عمرو بن الصعق أسرته شاكر من همدان، فأحسنوا إليه وكان فارق قومه نحيفًا، فهرب من شاكر فلما وصل إلى قومه قالوا: أي عمرو خرجت من عندنا نحيفًا، وأنت اليوم بادن؟ فقال (القيد والرتعة) فأرسلها مثلاً، و (الرتعة): الخصب، انظر "الميداني" ٢/ ٣٩، و"المفضل الضبي في أمثاله" ٦٢، و"الفاخر" للمفضل بن سلمة ص ١٧٠، ٢٤١، و"اللسان" (رتع) ٣/ ١٥٧٧، الطبري ١٢/ ١٥٨، و"تعليق شاكر"، ونسبه أبو عبيد في الأمثال ص ٥٦: إلى الغضبان بن القبعثري، قاله للعجاج عندما حبسه. "تهذيب اللغة" (رتع) ٢/ ١٣٥٦.

صفحة رقم 36

وقد حصل، للرتع معنيان أحدهما: رعي المال في الخصب، فعلى هذا معني نرتع بالنون كمعنى يرتعي في أنه للمال. ثم يحذف المضاف على ما ذكرنا، الثاني: أن معناه نيل ما يراد، وهذا يوصف به الإنسان كما ذكرنا في المثل، فقرأه أبو عمرو (نرتع) على معنى: نرتع إبلنا، ثم حذف المضاف، أو ينال ما يحتاج إليه.
وأما يلعب فقد روي أنه قيل لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء (١)، على أنه يجوز أن يراد باللعب هاهنا الذي هو ضد التشمر من الأخذ باللهو نيالاً، الذي هو ضد الحق، كما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لجابر: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" (٢) وهذا كأنه تشاغل بمباح وتنفس وجمام.
وقرأ أهل الكوفة (٣) كلاهما بالياء وسكون العين والياء ووجهه بيِّن، لأن إسناد الرتع بمعنى النيل من الشيء إلى يوسف لا يبعد، كما لا يمتنع أن

(١) "الحجة" ٤/ ٤٠٦، ابن جرير الطبري ١٢/ ١٥٨، الثعلبي ٧/ ٦٥ أ.
(٢) أخرج البخاري بنحوه (٥٠٧٩، ٥٠٨)، كتاب: النكاح، باب: تزويج الثيبات، ومسلم (٥١٧/ ٥٥) في كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح البكر.
(٣) انظر: "السبعة" ص ٣٤٦، و"إتحاف" ص ٢٦٢، و"الحجة" ٤/ ٤٠٣، والطبري ١٢/ ١٥٨.

صفحة رقم 37

ينسب إليه اللعب، على أن أبا عبيدة (١) فسَّر نرتع باللهو، فقال نرتع: نلهو، وهذه القراءة أبين من قراءة من قرأ (٢) (نلعبْ) بالنون؛ لأنهم إنما سألوا إرسال يوسف ليتنفس بلعبه لا ليلعبوا هم.
وأما قول المفسرين فقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٣): نرتع: نذهب ونجيء وننشط ونلعب ونلهو.
[وقال مقاتل بن سليمان (٤): نرتع نفرح، ونلعب نتلاهى.
وقال مجاهد (٥) وقتادة (٦) نسعى وننبسط] (٧) وقال أبو عبيدة (٨): نرتع ونلعب معناه نلهو وننعم، قال: هو من القيد والرتعة، وقال غيره: نقم في المرتع، يقول بعضهم: نرتع نرعى إبلنا، وقال قوم: نرتع نأكل، واحتج يقول الشاعر (٩):

ويُحَيِّينِي إذا لاقَيْتُه وإذا يخلو له لَحْمي رَتَعْ
(١) "مجاز القرآن" ١/ ٣٠٣.
(٢) وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر كما سبق.
(٣) الطبري ٢/ ١٥٨، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٨ أ، عن مجاهد، وانظر: "الدر" ٤/ ١٣.
(٤) "تفسير مقاتل" ١٥١ أبنحوه.
(٥) ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٨ أ.
(٦) الطبري ١٢/ ١٥٩، و"زاد المسير" ٤/ ١٨٧، والقرطبي ٩/ ١٣٩، وعبد الرزاق ٢/ ٣١٨.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٨) "مجاز القرآن" ١/ ٣٠٣.
(٩) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري من قصيدة في المفضليات: ١٩٠ - ٢٠٢ تعد عن علي الشعر وأنفسه، وانظر "ديوانه" ص ٣١، و"الشعر والشعراء" ص ٢٧٠ (٣٨٤)، والرواية فيهما (حبيب لي إذا لاقيته..)، وهو في "الخزانة" ٢/ ٥٤٧ كما هاهنا، و"الزاهر" ٢/ ٣١، و"الدر المصون" ٦/ ٤٥٠، و"اللسان" (رتع) ٣/ ١٥٧٧.

صفحة رقم 38

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية