له أي لمن أسر ومن جهر ومن هو مستخف وسارب أو لله تعالى ملائكة معقبات جمع معقبة من عقب مبالغة عقبه إذا جاء على عقبه، أو من اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة، وقال البغوي واحده معقب وجمعه معقبة ثم جمع المعقبة على المعقبات كما قيل إنثاوات سعد ورجالات بكر، يعني يتعاقبون فيكم بالليل والنهار إذا صعدت ملائكة الليل جاءت في عقبها ملائكة النهار وإذا صعدت ملائكة النهار جاءت في عقبها ملائكة الليل فيكتبون أعما ل العبا د و يحفظونهم عن الآفات، روى البغوي بسند صحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون )١٤ من بين يديه صفة معقبات أي كائنة من قدام المستخفي والسارب ومن خلفه يعني من جوانبه كلها يحفظونه الضمير راجع إلى من، أي يحفظون العبد من الآفات ما لم يأت القدر، فإذا جاء القدر خلوا عنه، قال مجاهد ما من عبد إلا وله ملك مؤكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه يريده إلا قال ورائك إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه وقال كعب الأحبار لولا أن الله تعالى وكل بكم الملائكة يدنون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفنكم الجن، أو المعنى يحفظون أعماله إن كان الآية في الملكين القاعد ين عن اليمين والشمال يكتبان الحسنات والسيئات، كما قال الله تعالى : إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد١٧ ١٥ قال ابن جريج أي يحفظون عليه أعماله من أمر الله قيل هو صفة ثانية لمعقبات يعني معقبات كائنة من أمر الله، أو ظرف متعلق بقوله يحفظونه أي يحفظونه من أجل أمر الله تعالى أتاهم بالحفظ، أو المعنى يحفظونه من أمر الله أي من بأسه متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له، وقيل : من ههنا بمعنى الباء أي يحفظونه بإذن الله، وقيل المعقبات الحرس حول السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى، قال البغوي وقيل الضمير في قوله له معقبات راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لمحمد صلى الله عليه وسلم معقبات أي حراس من الرحمان من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله من شر شياطين الجن والإنس وطوارق الليل والنهار.
وقال عبد الرحمان بن زيد : نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وإربد بن ربيعة، وقصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، أنه أقبل عامر بن الطفيل وإربد بن ربيعة وهما عامريان يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه فدخلا المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور وكان من أجمل الناس، فقال رجل يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد اقبل نحوك، فقال : دعه فإن يرد الله به خيرا يهده، فأقبل حتى قام عليه، فقال يا محمد مالي إن أسلمت، فقال لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين، قال تجعل لي الأمر بعدك، قال : ليس ذلك إلي أنما إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء، وقال فتجعلني على الوبر وأنت على المدر قال لا قال فماذا تجعل لي قال أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها، قال أوليس ذلك لي إلى اليوم، قم معك أكلمك فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أوصى إلى إربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فذر من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه فدار إربد خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه، فاخترط من سيفه شبرا ثم حبسه الله عنه ولم يقدر على سله، وجعل عامر يومي إليه فا لتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى إربد وما صنع بسيفه فقال اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل الله تعالى على إربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته وولى عامر هاربا وقال يا محمد دعوت ربك حتى قتل إربد، والله لأملأنها عليك خيلا جردا أو فتيانا مردا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعك الله من ذلك، وابنا قيلة يريد الأوس والخزرج فنزل عامر بيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضم عليه سلاحه وقد تغير عليه لونه فجعل يركض في الصحراء، ويقول أبرز يا ملك الموت، ويقول الشعر، ويقول واللات والعزى لأن أضحى إلى محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي، فأرسل الله ملكا فلطمه بجناحه فأداره في التراب، وخرجت على ركبته في الوقت غدة عظيمة فعاد إلى بيت السلولية، وهو يقول غذة كغذة البعير وموت في بيت السلولية، ثم دعا بفرسه فركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره فأجاب الله تعالى دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل بالطعن وإربد بالصاعقة، وأنزل الله تعالى في هذه القصة قوله عز وجل سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار١٠ له يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله يعني تلك المعقبات من أمر الله وكذا أخرج الثعلبي، وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن إربد بن قيس وعامر بن الطفيل قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عامر يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت، قال : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال أتجعل لي الأمر من بعدك، قال : ليس ذلك لك ولا لقومك، فقال عامر لإربد إني أشتغل عنك وجه محمد بالحديث فأضربه بالسيف، فرجعا فقال عامر يا محمد قم معي فقام معه ووقف يكلمه وسل إربد السيف فلما وضع يده قائم السيف يبست، والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه فانصرف عنهما، فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على إربد صاعقة فقتله، فأنزل الله تعالى : يعلم ما تحمل كل أنثى إلى قوله شديد المحال .
إن الله لا يغير ما بقوم من العفاية والنعمة حتى يغيروا أي القوم ما بأنفسهم من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة وإذا أراد الله بقوم بعد ما يغيروا ما بأنفسهم سوءا عذابا وهلاكا فلا مرد له مصدر بمعنى الفاعل يعني لا راد له، والعامل في إذا ما دل عليه الجواب وما لهم من دونه من وال يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء وفيه دليل على أن خلاف مراد الله محال.
التفسير المظهري
المظهري