تفسير المفردات : معقبات : أي ملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته واحدها معقبة، من عقّبه : أي جاء عقبة. من بين يديه : أي قدّامه. ومن خلفه : أي من ورائه. من أمر الله : أي بأمره وإعانته. وال : أي ناصر.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه إنكار المشركين للبعث واستبعادهم له كما حكي عنهم بقوله : أئذا كنا ترابا أئنا في خلق جديد [ الرعد : ٥ ]، إذ رأوا أن أجزاء الحيوان حين تفتتها وتفرقها يختلط بعضها ببعض، وقد تتناثر في بقاع شتى ونواح عدة، وربما أكل بعض الجسم سبع وبعضه الآخر حدأة أو نسر، وحينا يأكل السمك قطعة منه وأخرى يجري بها الماء وتدفن في بلد آخر، أزال هذا الاستبعاد بأن الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، والذي يعلم الأجنة في بطون أمهاتها، ويعلم ما هو مشاهد لنا أو غائب عنا يعلم تلك الأجزاء المتناثرة ومواضعها مهما نأى بعضها عن بعض ويضم متفرقاتها ويعيدها سيرتها الأولى.
الإيضاح : له معقبات من بين يديه ومن خلفه أي للإنسان ملائكة يتعاقبون عليه : حرس بالليل وحرس بالنهار يحفظونه من المضار ويراقبون أحواله، كما يتعاقب ملائكة آخرون أعماله من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار وأربعة آخرين بالليل بدلا، حافظان وكاتبان كما جاء في الحديث الصحيح :" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون ".
وإذا علم الإنسان أن هناك ملائكة تحصي عليه أعماله كان حذرا من وقوعه في المعاصي خيفة أن يطلع عليه الكرام الكاتبون ويزجره الحياء عن الإقدام على فعل الموبقات كما يحذر من الوقوع فيها إذا حضر من يستحي منه من البشر، وهو أيضا إذا علم أن كل عمل له في كتاب مدخر يكون ذلك رادعا له داعيا إلى تركه.
وليس أمر الحفظة بالبعيد عن العقل بعد أن أثبته الدين وبعد أن كشف العلم أن كثيرا من الأعمال العامة يمكن إحصاؤها بآلات دقيقة لا تدع منها شيئا إلا تحصيه، فقد أصبحت المياه والكهرباء في المدن تعد بالآلات – العدادات - فالمياه التي يشربونها، والكهرباء التي يضيئون بها منازلهم تحصى وتعد كما يعد الدرهم والدينار، وكذلك هناك آلات تحصي المسافات التي تقطعها السيارات في سيرها، وأخرى تحصي تيارات الأنهار ومساقط المياه إلى غير ذلك من دقيق الآلات التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة من الأعمال إلا تكتبها وتحصيها.
وكلما تقدمت العلوم وكشفت ما كان غائبا عنا كان في ذلك تصديق أيّما تصديق لنظريات الدين، ووسيلة حافزة إلى الاعتراف بما جاء فيه مما يخفى على بعض الماديين الذين لا يقرون إلا بما يرونه رأي العين، ولا يذعنون إلا بما يقع تحت حسهم، وبهذا يصدق قول القائل : الدين والعقل في الإسلام صنوان لا يفترقان، وصديقان لا يختلفان.
يحفظونه من أمر الله أي هم يحفظونه بأمر الله وإذنه وجميل رعايته وكلاءته، فكما جعل سبحانه للمحسوسات أسبابا محسوسة ربط بها مسبباتها بحسب ما اقتضته حكمته، فجعل الجفن سببا لحفظ العين مما يدخل فيها، فيؤذيها، كذلك جعل لغير المحسوسات أسبابا، فجعل الملائكة أسبابا للحفظ، وأفعاله تعالى لا تخلو من الحكم والمصالح.
وكذلك جعل لحفظ أعمالنا كراما كاتبين وإن كنا لا ندري ما قلمهم وما مدادهم ؟ وكيف كتابتهم ؟ وأين محلهم ؟ وما حكمة ذلك ؟ مع أن علمه تعالى بأعمال الإنسان كاف في الثواب والعقاب عليها، وقد يكون من حكمة ذلك أنه إذا علم الإنسان أن أعماله محفوظة لدى الحفظة الكرام كان أجدر بالإذعان لما يلقاه من ثواب وعقاب يوم العرض والحساب.
ولمفسري السلف أقوال في الآية. قال ابن عباس : هم الملائكة تعقب بالليل، تكتب على ابن آدم، ويحفظونه من بين يديه ومن خلفه، وذلك الحفظ من أمر الله وبإذن الله، لأنه لا قدرة للملائكة ولا لأحد من الخلق أن يحفظ أحدا من أمر الله وبما قضاه عليه إلا بأمره وإذنه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. وقال علي : ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط أو يتردى في بئر أو يأكله سبع أو يغرق أو يحرق، فإذا جاء القدر خلّوا بينه وبين القدر اه.
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم أي إن الله لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية فيزيلها عنهم ويذهبها، حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك بظلم بعضهم بعضا واعتداء بعضهم على بعض، وارتكابهم للشرور والموبقات التي تقوّض نظم المجتمع، وتفتك بالأمم كما تفتك الجراثيم بالأفراد.
روي أن أبا بكر قال : قال صلى الله عليه وسلم :" إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب " ويرشد إلى صحة هذا قوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ الأنفال : ٢٥ ] وقد بسطنا هذا فيما سلف في مواضع متعددة، وأشار إليه المحقق المؤرخ ابن خلدون في مقدمة التاريخ وعقد له بابا جعل عنوانه " فصل في أن الظلم مؤذن بخراب العمران " واسترسل فيه على المنهج المعروف عنه، وضرب له الأمثلة بما حدث في كثير من الأمم قبل الإسلام وبعده، وبين أن الظلم قد ثلّ عروشها، وأذل أهلها، وجعلها طعمة للآكلين، ومثلا للآخرين.
وفي حال الأمم الإسلامية اليوم وقد اجتثت من أطرافها وتحكم فيها أهل الغرب وأذلوها بعد أن استعمروها، عبرة لمن تدبر وألقى السمع وهو شهيد، والقرآن شاهد على صدق هذه النظرية، كما قال : إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده [ الأعراف : ١٢٨ ] وقوله : أن الأرض يرثها عبادي الصالحون [ الأنبياء : ١٠٥ ] أي الصالحون لاستعمارها والانتفاع بخيراتها، ما ظهر منها وما بطن.
وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له أي وإذا أراد الله بقوم سوءا من مرض وفقر ونحوهما من أنواع البلاء بما كسبت أيديهم حين أخذوا في الأسباب التي تصل بهم إلى هذه الغاية، فلا يستطيع أحد أن يدفع ذلك عنهم ولا يرد ما قدره لهم.
وفي هذا إيماء إلى أنه لا ينبغي الاستعجال بطلب السيئة قبل الحسنة، وطلب العقاب قبل الثواب، فإنه متى أراد الله ذلك وأوقعه بهم فلا دافع له.
والخلاصة : إنه ليس من الحكمة في شيء أن يستعجلوا ذلك.
وما لهم من دونه من وال أي وما لهم من دون الله سبحانه من يلي أمورهم، فيجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر، فالآلهة التي اتخذوها لا تستطيع أن تفعل شيئا من ذلك، ولا تقدر على دفع الأذى عن نفسها فضلا عن دفعه عن غيرها.
ولله در الأعرابي الذي رأى صنما يبول عليه الثعلب فثارت به كميته فأمسكه وكسره إربا إربا وقال :
| أربّ يبول الثعلبان برأسه | لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب |
تفسير المراغي
المراغي