٨- إذا أراد الله بالناس بلاء من أمراض وأسقام، فلا مرد لبلائه وقيل: إن معنى الآية: إذا أراد الله بقوم سوءا، أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه، فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، حتى يبحث أحدهم عن حتفه بكفه، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه. ولا ملجأ ولا ناصر لأحد من مراد الله وعذابه.
والأولى تفسير الآية بأنه ليس للبشرية من يلي أمورها غير الله، الذي يجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر، أما الآلهة المزعومة من أصنام وأوثان ونحوها فلا تستطيع أو تفعل شيئا، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج ٢٢/ ٧٣].
مظاهر ألوهية الله وربوبيته وقدرته
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٢ الى ١٥]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)
الإعراب:
خَوْفاً وَطَمَعاً مفعولان لأجله بتقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع، أو حال من البرق أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ الَّذِينَ: اسم موصول، ويَدْعُونَ: صلته، وعائده محذوف أي يدعونهم، كما حذف من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف ٧/ ١٩٤] أي تدعونهم. كَباسِطِ كَفَّيْهِ الكاف: متعلقة بصفة مصدر محذوف، أي الاستجابة كاستجابة باسط كفيه، ويكون على هذا التقدير حرفا فيه ضمير انتقل إليه من: كائنة. ويجوز أن يجعل الكاف اسما، أي الاستجابة مثل استجابة باسط كفّيه، ولا يكون في الكاف ضمير. ويجوز الاستثناء من الفعل المصدر والظرف والحال. ولام لِيَبْلُغَ فاهُ متعلقة بباسط.
البلاغة:
يوجد طباق بين خَوْفاً وَطَمَعاً وبين طَوْعاً وَكَرْهاً.
إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ.. تشبيه تمثيلي، شبه حال الكافرين في دعاء الأصنام بمن أراد أن يغترف الماء ليشربه بكف مبسوط. أو شبه عدم استجابة الأصنام لمن يدعونها بعدم استجابة الماء لباسط كفيه إليه من بعيد.
المفردات اللغوية:
الْبَرْقَ شرارة ضوئية تظهر في السماء بسبب تصادم الأجرام السماوية خَوْفاً وَطَمَعاً أي من أجل الإخافة من الصواعق، والطمع في المطر، وفيها مضاف محذوف، أي إرادة خوف وطمع، أو إخافة وإطماعا، أو حال أي خائفين طامعين، وإطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل للمبالغة. ومعنى الخوف والطمع: أن وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع في الغيث.
السَّحابَ الغيم المنسحب في الهواء الثِّقالَ بالمطر، وهو جمع ثقيلة، وإنما وصف به السحاب، لأنه اسم جنس في معنى الجمع الرَّعْدُ الصوت المسموع خلال السحاب بسبب احتكاك الأجرام السماوية، أي أنه ينشأ عن احتراق الهواء بالشرارة ظهور البرق، الذي يحدث من تصادم سحابتين مختلفتي الشحنة الكهربائية، ثم ينشأ عن تفريغ جزء من الهواء الذي يحدثه البرق احتكاك الهواء الذي يطرده البرق وظهور الرعد.
الصَّواعِقَ جمع صاعقة وهي التي تحدث بسبب الاحتكاك الكهربائي بين كهربة السحب
وكهربة الأرض عند تقارب السحب من الأرض، فتنشأ عنه صاعقة تحرق ما تقع عليه وَهُمْ يُجادِلُونَ أي الكفار يخاصمون النبي صلّى الله عليه وسلّم في الله تعالى، والجدل: شدة الخصومة الْمِحالِ القوة أو الأخذ للأعداء.
لَهُ تعالى دَعْوَةُ الْحَقِّ أي كلمته وهي لا إله إلا الله أو الدعاء الحق، فإنه الذي يحق أن يعبد وَالَّذِينَ يَدْعُونَ يعبدون مِنْ دُونِهِ من غيره وهم الأصنام لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مما يطلبونه إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ أي إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء على حافة البئر، يطلب منه أن يبلغه، ليبلغ فاه بارتفاعه من البئر إليه وَما هُوَ بِبالِغِهِ أي بالغ فاه أبدا، فكذلك ما هم بمستجيبين لهم وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ أي عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء إِلَّا فِي ضَلالٍ ضياع وخسار وبطلان.
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً يحتمل أن يكون السجود على حقيقته، فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين (الإنس والجن) طوعا حالتي الشدة والرخاء، ويسجد له الكفار كرها حالة الشدة والضرورة. والمنافقون من الكفار، إذ يسجدون كرها. ويحتمل أن يكون المراد: ينقادون لإحداث ما أراده الله فيهم من أفعاله، شاؤوا أو أبوا، لا يقدرون أن يمتنعوا عليه.
وَظِلالُهُمْ جمع ظل وهو الخيال المقابل للشمس الذي يظهر للشيء المادي القائم أي ويسجد ظلالهم، أو تنقاد أيضا حيث تخضع لمشيئة الله في الامتداد والتقلص والفيء والزوال بِالْغُدُوِّ جمع غداة: وهي أول النهار وَالْآصالِ جمع أصيل: وهو ما بعد العصر إلى المغرب.
سبب النزول: نزول الآية (١٣) :
وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ: ذكر الرواة سببين لنزول هذه الآية، أخرج
الطبراني وغيره عن ابن عباس: أن أربد بن قيس وعامر بن الطّفيل قدما المدينة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال عامر: يا محمد: ما تجعل إليّ إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم، قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، فخرجا، فقال عامر: إني أشغل عنك وجه محمد بالحديث، فاضربه بالسيف، فرجعا، فقال عامر: يا محمد، قم معي أكلمك، فقام معه، ووقف يكلمه، وسلّ (أربد) السيف، فلما وضع يده على قائم
السيف، يبست، والتفت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرآه، فانصرف عنهما، فخرجا، حتى إذا كانا بالرّقم (موضع) أرسل الله على أربد صاعقة، فقتلته، فأنزل الله:
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى إلى قوله شَدِيدُ الْمِحالِ.
وأما عامر فأرسل الطاعون عليه، فخرجت فيه غدّة كغدة الجمل، ومات في بيت سلولية.
وذكر الواحدي ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والنسائي والبزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث رجلا مرّة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: اذهب فادعه لي، فقال: يا رسول الله، إنه أعتى من ذلك، قال: اذهب فادعه لي، قال: فذهب إليه، فقال: يدعوك رسول الله، قال: وما الله، أمن ذهب هو، أو من فضة أو من نحاس؟ فرجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، وقال: وقد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: ارجع إليه الثانية فادعه، فرجع إليه، فعاد عليه مثل الكلام الأول، فرجع إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فقال: ارجع إليه، فرجع الثالثة، فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينا هو يكلمني، إذ بعثت إليه سحابة حيال رأسه، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ، فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ، وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ، وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ «١».
المناسبة:
بعد أن خوّف الله تعالى عباده بأنه إذا أراد السوء بقوم فلا مردّ له، أتبعه بهذه الآيات المشتملة على أمور ثلاثة، فهي دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته، وتشبه النعم والإحسان حينا، وتشبه العذاب والقهر والنقمة حينا آخر.
التفسير والبيان:
الله تعالى هو الذي يسخر البرق: وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلال السحاب، بسبب تقارب سحابتين مختلفتين في الشحنة الكهربائية، ويريكم إياه تخويفا، فيخاف منه المسافر والمزارع الذي جمع حبوبه في البيدر (الجرين) ويحذر عواقبه كل إنسان من خطف البصر، أو مجيء السيول الجارفة، وطمعا، أي يرجو نفع المطر من كان بحاجة إليه لسقي زرعه وشجره وغسل الجو من الأتربة والرمال والدخان والميكروبات. فالناس في الظواهر العامة قسمان: إما فرح طامع بالخير بالنسبة إليه، وإما متشائم متبرم عابس لما يصيبه من شر أو ضر بالنسبة إليه.
وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ أي والله سبحانه هو الذي يوجد السحب المحملة المترعة بالماء، وهي لكثرة مائها ثقلية قريبة إلى الأرض. قال مجاهد:
السحاب الثقال: الذي فيه الماء.
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ أي أن الرعد بلسان الحال لا بلسان المقال ينزه الخالق عن الشريك والعجز، ويعلن خضوعه له، وانقياده لقدرته وحكمته، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء ١٧/ ٤٤].
وتسبح الملائكة ربهم وتنزهه عن الصاحبة والولد، من هيبته وإجلاله.
ويرسل الله الصواعق نقمة، ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر في آخر الزمان،
روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم، فيقول: من صعق قبلكم الغداة، فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان».
وكل من الرعد والبرق إما بشير خير أو نذير شر، لذا أمرنا النبي صلّى الله عليه وسلّم بالدعاء حين رؤيتهما،
روى البخاري وأحمد عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا سمع الرعد والصواعق قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك».
ويسن عند رؤية البرق والرعد أن يقول: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً، وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ روى مالك في موطئه عن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد، ترك الحديث، وقال: «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته».
وروى أحمد عن أبي هريرة أنه كان إذا سمع الرعد قال: «سبحان من يسبح الرعد بحمده».
وروى أبان عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تأخذ الصاعقة ذاكرا الله عز وجل».
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا سمع صوت الرعد يقول: «سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة، فعليّ ديته».
وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وبالرغم من هذه الأدلة الدالة على قدرة الله وألوهيته، يجادل الكفار ويشكون في عظمة الله تعالى وأنه لا إله إلا هو، قال مجاهد: جادل يهودي النبي صلّى الله عليه وسلّم، وسأله عن الله تعالى: من أي شيء هو؟
وهو سبحانه شديد المحال أي شديد القوة والأخذ، والمماحلة: وهي شدة المماكرة والمكايدة لأعدائه، فيدبر لهم الحيلة لإنزال العقاب الشديد بهم من حيث لا يشعرون، يقال: تمحل لكذا: إذا تكلف استعمال الحيلة، واجتهد فيه.
وهو القادر على إنزال العذاب من فوقكم ومن تحت أرجلكم: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [النمل ٢٧/ ٥١] وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود ١١/ ١٠٢].
وفي هذا تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنهم لم يقتصروا على إنكار نبوته، بل تجاوزوا ذلك إلى إنكار الألوهية.
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ أي لله تعالى دعوة الصدق والدعاء والتضرع، لا لغيره من الأصنام والأوثان والملائكة والبشر الذين اتخذوا آلهة. وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: دعوة الحق: كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، أي لله من خلقه أن يوحّدوه ويخلصوا له.
وذكر في الكشاف وجهان للآية: الأول- إضافة الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، أي أن دعوة الإسلام دعوة الحق المختصة به. والثاني- إضافة الدعوة إلى الحق الذي هو الله عز وعلا أي أن الدعاء لله الحق الذي يسمع فيجيب «١».
وهذا وما قبله وعيد للكفار على مجادلتهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شأن الوعيد بالعقاب الذي هددهم به. قال أبو حيان عن لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ: والذي يظهر أن هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ والتقدير: لله الدعوة الحق، بخلاف غيره، فإن دعوتهم باطلة، والمعنى أن الله تعالى، الدعوة له هي الدعوة الحق، وهو رد على الكفار في إثبات آلهة مع الله، فمن يدعو الله فدعوته هي الحق، بخلاف أصنامهم التي جادلوا في الله لأجلها، فإن دعاءها باطل لا يتحصل منه شيء، فقال: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ.. أي إن الذين يدعون من دون الله الأصنام
البحر المحيط: ٥/ ٣٧٦ [.....]
والأوثان والمعبودات الباطلة وهم المشركون، لا يجيبونهم إطلاقا، ولا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء، ولا يحققون لهم نفعا ولا يدفعون عنهم ضرا، وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد، طالبا وصوله إلى فمه، وهو عطشان، والماء جماد لا يعقل دعاء، ولا يلبي نداء، ولا يشعر به.
ويلاحظ ما عليه هذا التشبيه من واقعية ومن بسط الكفين كما يبسطها الداعي إلى الله.
فهذا مثل ضربه الله ليأس عبدة غير الله من الإجابة لدعائهم، لتنبيه عقولهم وحواسهم، والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد. قال الشاعر:
فأصبحت فيما كان بيني وبينها من الودّ مثل القابض الماء باليد وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسار وضياع وبطلان، فإن دعاءهم لهم غير مجاب، كما أن دعاءهم الله غير مجاب أيضا.
ثم بين الله تعالى كمال قدرته وعظمته وسلطانه فقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ.. أي ولله يخضع وينقاد كل شيء طوعا من المؤمنين والملائكة في حالي الشدة والرخاء، وكرها من الكافرين في حال الشدة، بل كل شيء من مخلوقات الكون من إنسان وحيوان ونبات وجماد خاضع منقاد للخالق الذي خلقهم وأوجدهم. وكذلك تسجد لله وتخضع ظلال كل من له ظل مما ذكر في الصباح الباكر وفي آخر النهار، وتخصيص هذين الوقتين بالذكر لظهور الامتداد والتقلص، أو لإرادة الدوام، كما هو الشأن في استعمالات العرب. والسجود لله دال على الربوبية، فلا يستحق العبادة سوى الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدتنا الآيات إلى ما يلي:
١- بيان كمال قدرة الله تعالى، وأن تأخير العقوبة عن العصاة ليس عن عجز، وكل ما ذكر في الآية من البرق والسحاب والرعد والصواعق دلائل ملموسة على قدرة الله عز وجل، وأنه شديد القوة والأخذ، والمحال أو المماحلة: وهي المماكرة والمغالبة.
فحدوث البرق مثلا دليل عجيب على قدرة الله تعالى: لأن السحاب مركب من أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ونارية، والغالب عليه الأجزاء المائية، والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس، فتغليب النار على الماء المتضادين، لا بد له من صانع مختار، يظهر الضد من الضد.
والأجزاء المائية من السحاب، سواء قيل: إنها حدثت في جو الهواء أو تصاعدت من أبخرة البحار، لا بد أن يكون حدوثها بإحداث حكيم قادر محدث.
وصوت الرعد المرعب بسبب تصادم كتل الهواء نتيجة تفريع جزء منه بالبرق دليل آخر على القدرة الإلهية.
والصواعق المخيفة المدمرة المتولدة من السحاب والتي تحدث بسبب احتكاك كهربة السحب بكهربة الأرض برهان واضح على الألوهية، ووجود موجود متعال عن النقص والإمكان.
٢- كل شيء في الوجود من إنسان وحيوان ونبات وجماد وجنّ وملائكة يسبح بحمده، فالرعد يسبح بحمد الله، والملائكة تسبح أيضا بحمد الله من هيبته وإجلاله، والتسبيح: التنزيه عن الشريك والوالد والولد والصاحبة، والتقديس لله تعالى، ولكن الناس لا يفقهون تسبيح من سواهم.
٣- هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل الدالة على كمال قدرة الله، يجادلون في الله، ويشككون في وجوده وألوهيته، والله شديد القوة والأخذ، والعقاب، ومغالبة هؤلاء المشككين المجادلين بالباطل.
٤- لله الدعوة الحق، فمن يدعوه فدعوته هي الحق، أما دعاء الأصنام وأمثالها من الآلهة المزعومة دون الله فهو باطل لا يفيد شيئا.
٥- الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله لا يحققون لأحد مطلبا، وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لباسط كفيه إلى الماء، والماء جماد لا يشعر بأحد ولا بحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاء داعيه، فكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم، ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم.
٦- دل قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ.. على أنه يجب على كل من في السموات والأرض أن يسجد لله إما طوعا أو كرها، فعبر عن الوجوب بالوقوع والحصول، أو أن كل من السموات والأرض يعترفون بعبودية الله تعالى، على ما قال:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ [لقمان ٣١/ ٢٥].
وقيل: إن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع، وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل.
٧- دل قوله: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ على أن كل شخص، سواء كان مؤمنا أو كافرا، فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعا، وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله كرها، وهو كاره. وقيل: إن المراد من سجود الظلال أي ظلال الخلق: ميلانها من جانب إلى جانب، وتختلف طولا وقصرا بسبب انحطاط الشمس وارتفاعها، فهي منقادة مستسلمة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب. وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي