ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜ

والذين يستجيبون للرب الذي خلق من عدم، وأوجد لهم مقومات الحياة واستبقاء النوع بالزواج والتكاثر ؛ فإذا دعاهم لشيء فليعلموا أن ما يطلبه منهم متمم لصالحهم ؛ الذي بدأه بإيجاد كل شيء لهم من البداية.
وهؤلاء الذين يستجيبون لهم الحسنى ؛ فسبحانه جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وأنت في الدنيا موكول لقدرتك على الأخذ بالأسباب ؛ ولكنك في الآخرة موكول إلى المسبب. ففي الدنيا أنت تبذر وتحرث وتروي وتحصد، وقد تختلف حياتك شظفاً وترفاً بقدرتك على الأسباب.
فإذا استجبت لله واتبعت منهجه ؛ فأنت تنتقل إلى حياة أخرى ؛ تحيا فيها مع المسبب ؛ لا الأسباب ؛ فإذا خطر ببالك الشيء تجده أمامك ؛ لأنك في الحياة الأخرى لا يكلك الله إلى الأسباب، بل أنت موكول لذات الله، والموكول إلى الذات باقٍ ببقاء الذات. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول : فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمةٍ منه.. " ١٧٥ " ( سورة النساء ).
وبعض المفسرين يقولون " إنها الجنة " وأقول : هذا تفسير مقبول ؛ لأن الجنة من رحمة الله ؛ ولكن الجنة باقية بإبقاء الله لها ؛ ولكن رحمة الله باقية ببقاء الله. وهنا يقول الحق سبحانه : للذين استجابوا لربهم الحسنى.. " ١٨ " ( سورة الرعد )
ويقول تعالى في آية أخرى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة.. " ٢٦ " ( سورة يونس )
والحسنى هي الأمر الأحسن ؛ وسبحانه خلق لك في الدنيا الأسباب التي تكدح فيها ؛ ولكنك في الآخرة تحيا بكل ما تتمنى دون كدح، وهذا هو الحسن.
وهب أن الدنيا ارتقت ؛ والذين يسافرون إلى الدول المتقدمة ؛ وينزلون في الفنادق الفاخرة ؛ يقال لهم اضغط على هذا الزر تنزل لك القهوة ؛ والزر الآخر ينزل لك الشاي.
وكل شيء يمكن أن تحصل عليه فور أن تطلبه من المطعم حيث يعده لك آخرون ؛ ولكن مهما ارتقت الدنيا فلن تصل إلى أن يأتي لك ما يمر على خاطرك فور أن تتمناه ؛ وهذا لن يحدث إلا في الآخرة.
وكلمة " الحسنى " مؤنثة وافعل تفضيل ؛ ويقال " حسنة وحسنى " ؛ وفي المذكر يقال " حسن واحسن ". والمقابل لمن لم يستجيبوا معروف. والحق سبحانه يقول هنا :
والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به.. " ١٨ "
( سورة الرعد )أي : يقول خذوا ما أملك كله واعتقوني، لكن لا يستجاب له. ويقول الحق سبحانه : أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد " ١٨ " ( سورة الرعد )لأن الحساب يترتب عليه مرة خير ؛ ويترتب عليه مرة أخرى شر ؛ وجاء الحق سبحانه بكلمة :
وبئس المهاد " ١٨ " ( سورة الرعد )هنا ؛ لأن الواحد من هؤلاء والعياذ بالله لن يستطيع أن يتصرف لحظة وضعه في النار، كما لا يستطيع الطفل الوليد أن يتصرف في مهاده ؛ ومن المؤكد أن النار بئس المهاد.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير