ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

سلمتم من الآفات والمحن، أو هو خبر بمعنى الدعاء، أي ندعو لكم بدوام السلامة، سلمكم الله، وهذا يتضمن الاعتراف بالعبودية. والسلام عليكم كان بصبركم على ملازمة الطاعة، ومفارقة المعصية، فنعم عاقبة الدار التي كنتم فيها، عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه، فالعقبى على هذا اسم، وهو قول ابن سلام. أو فنعم عقبى الجنة عن النار أو عن الدنيا، وهو قول أبي عمران الجوني.
١٣- استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال:
إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والتعظيم، فكانوا به أجل مرتبة من البشر، ولو كانوا أقل مرتبة من البشر، لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجبا علو درجاتهم وشرف مراتبهم «١».
صفات الأشقياء وجزاؤهم
[سورة الرعد (١٣) : آية ٢٥]
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)
المفردات اللغوية:
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ذكر في مقابلة الأولين الذين يوفون بعهد الله. وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالكفر والظلم والمعاصي وإثارة الفتن. لَهُمُ اللَّعْنَةُ الطرد أو البعد من رحمة الله.
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ العاقبة السيئة في الدار الآخرة، وهي جهنم، أو سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة عقبى الدار للسعداء.

(١) تفسير الرازي: ١٩/ ٤٥- ٤٦

صفحة رقم 158

المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى صفات السعداء وجزاءهم الذي أعده لهم في دار الكرامة، ذكر حال الأشقياء وما هيأه لهم من عذاب النار، وأتبع الوعد بالوعيد، والثواب بالعقاب، على ما هي عليه عادة القرآن للموازنة والمقابلة، وليكون البيان كاملا فيكون أدعى للامتثال والزجر، فقال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ.
التفسير والبيان:
وصف الله تعالى الأشقياء بصفات ثلاث هي:
١- نقض العهد: والذين ينقضون عهد الله الذي ألزمه عباده وأمر به.
سواء ما يتعلق به سبحانه من الإيمان بوحدانيته وقدرته وإرادته، والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه وما أوحى لهم به، أو ما يتعلق بحقوق الناس.
ونقض العهد: بألا ينظر في الأدلة الدالة على وجود الله وتوحيده أصلا، أو بأن ينظر فيها ويعلم صحتها ثم يعاند، فلا يعمل بعلمه، أو بأن ينظر في الشبهة، فيعتقد خلاف الحق.
وقوله: مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ أي من بعد الإقرار بصحته والالتزام به.
٢- قطع ما أمر الله به أن يوصل، أي قطع كل ما أوجب الله وصله، من لإيمان به وبرسله، وقطع الرحم والقرابات، وعدم صلة المؤمنين وسائر أصحاب الحقوق وعدم التعاون معهم.
٣- الإفساد في الأرض، أي ويفسدون في الأرض بأعمالهم الخبيثة، يظلمون أنفسهم وغيرهم، ويدعون إلى غير دين الله، ويلحقون الظلم بالنفوس

صفحة رقم 159

والأموال، ويرتكبون كل ما يؤدي إلى تخريب البلاد، وإثارة الفتن، وتأجيج نار الحرب والدمار.
ثم أبان تعالى ما يستحق هؤلاء من عقاب، فقال: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ أي أولئك الموصوفون بما ذكر يستحقون اللعنة، أي الطرد من رحمة الله والإبعاد من خيري الدنيا والآخرة.
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي ولهم سوء العاقبة والمآل، وهو عذاب جهنم، وليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها، كما قال سبحانه سابقا: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ [الآية: ١٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى الأحكام التالية:
١- تحريم نقض العهد الإلهي بالإيمان وإيتاء الحقوق، الذي أقام عليه تعالى لأدلة العقلية والسمعية، وأوجب الوفاء به في قرآنه وكتبه المنزلة على أنبيائه.
٢- تحريم قطع ما أمر الله بوصله من صلة الأرحام والإيمان بجميع الأنبياء، والتعاون مع المؤمنين.
٣- تحريم الإفساد في الأرض بالكفر وارتكاب المعاصي والظلم وإثارة الفتن، وارتكاب كل ما يؤدي إلى دمار البلاد وتخريبها، وإتلاف الأموال والحقوق واغتصابها والاعتداء عليها.
٤- المرتكبون لهذه المنكرات والفواحش لهم اللعنة، أي الطرد والإبعاد من لرحمة، ولهم سوء الدار، أي سوء المنقلب، وهو جهنم.

صفحة رقم 160

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية