تفسير المفردات : قطع : أي بقاع. متجاورات : أي متقاربات. جنات : أي بساتين. صنوان : هي النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها واحدها صنو، وفي الحديث :" عم الرجل صنو أبيه ". والأكل : بضمتين وبتسكين الثاني، ما يؤكل والمراد به التمر والحب.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآية السالفة أن أكثر الناس لا يؤمنون، أعقبه بذكر البراهين على التوحيد والمعاد فاستدل بأحوال السماوات وأحوال الشمس والقمر وأحوال الأرض جبالها وأنهارها ونخيلها وأعنابها واختلاف ثمراتها وتنوع غلاتها على وجود الإله القادر القاهر الذي بيده الخلق والأمر، وبيده الضر والنفع، وبيده الإحياء والإماتة، وهو على كل شيء قدير.
( ٦ ) وفي الأرض قطع متجاورات أي وفي الأرض بقاع متجاورات متدانيات، يقرب بعضها من بعض، وتختلف بالتفاضل مع تجاورها، فمن سبخة لا تنبت شيئا إلى أرض جيدة التربة تجاورها وتنبت أفضل الثمرات ومختلف النبات، ومن صالحة للزرع دون الشجر، إلى أخرى مجاورة لها تصلح للشجر دون الزرع، إلى متدانية لهما تصلح لجميع ذلك، ومنها الرخوة التي لا تكاد تتماسك وهي تجاور الصلبة التي لا تفتتها المعاول وأدوات التدمير من المفرقعات – الديناميت والقنابل وكلها من صنع الله وعظيم تدبيره في خلقه.
وجنات من أعناب أي وفيها بساتين من أشجار الكرم.
وزرع أي وفيها زرع من كل نوع وصنف من الحبوب المختلفة التي تكون غذاء للإنسان والحيوان.
ونخيل صنوان وغير صنوان أي وفيها نخيل صنوان يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها، وغير صنوان أي متفرقات مختلفة الأصول.
يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل أي يسقى كل ما ذكر من القطع والجنات والزرع والنخيل بماء واحد لا اختلاف في طبعه، ومع وجود أسباب التشابه نفضّل بمحض القدرة بعضا منها على بعض في الثمرات شكلا وقدرا، ورائحة وطعما، وحلاوة وحموضة.
ثم بين أن مثل هذا لا يفكر إلا من أوتي العقل الذي يفكر في المقدمات والنتائج، والأسباب والمسببات فقال :
إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون أي إن فيما فصّل من الأحوال السالفة لآيات باهرة لقوم يعملون على قضية العقل، فمن يرى خروج الثمار المختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروائح في تلك البقاع المتلاصقة، مع أنها تسقى بماء واحد وتتشابه وسائل نموها يجزم حتما بأن لذلك صانعا حكيما قادرا مدبرا لا يعجزه شيء، وكذلك يعتقد بأن من قدر على إنشاء ذلك، فهو قادر على إعادة ما بدأه أول مرة، بل هو أهون منه لدى النظر والاعتبار.
تفسير المراغي
المراغي