قوله عز وجل وفي الأرض قطع متجاورات يعني متقاربات بعضها من بعض، وهي مختلفة في الطبائع فهذه طيبة تنبت وهذه سبخة لا تنبت، وهذه قليلة الريع وهذه كثيرة الريع وجنات يعني بساتين والجنة كل بستان ذي شجر من نخيل وأعناب وغير ذلك، سمي جنة لأنه يستر بأشجاره الأرض وإليه الإشارة بقوله من أعناب وزرع ونخيل صنوان جمع صنو وهي النخلات يجتمعن من أصل واحد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس « عم الرجل صنو أبيه » يعني أنهما من أصل واحد وغير صنوان هي النخلة المنفردة بأصلها فالصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق يسقى بماء واحد يعني أشجار الجنات وزروعها، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل : في حده جوهر سيال به قوام الأرواح ؛ ونفضل بعضها على بعض في الأكل يعني في الطعم ما بين الحلو والحامض والعفص وغير ذلك من الطعام.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم « في قوله تعالى : ونفضل بعضها على بعض في الأكل قال : الدقل والنرسيان والحلو والحامض » أخرجه الترمذي، وقال : حديث حسن غريب. قال مجاهد : هذا كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد، وقال الحسن : هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن فسطحها فصارت قطعاً متجاورات، وأنزل على وجهها ماء السماء فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها، وتخرج هذه نباتها وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء واحد فلو كان الماء قليلاً. قيل : إنما هذا من قبل الماء كذلك الناس خلقوا من آدم فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم فتخشع وتخضع وتقسو قلوب قوم فتلهو، ولا تسمع. وقال الحسن : والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال الله تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً وقوله تعالى إن في ذلك يعني الذي ذكر لآيات لقوم يعقلون يعني فيتدبرون ويتفكرون في الآيات الدالة على وحدانيته.
لباب التأويل في معاني التنزيل
أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي