ابنُ عباس: "كانَ أبو قُبيسٍ أولَ جبلٍ وُضِعَ على الأرضِ" (١) وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا أي: خلقَ في الأرضِ حينَ بسطَها من كلِّ نوعٍ من الثمراتِ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي: نوعين: حلوٌ، وحامضٌ، ونحوُهما.
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يُلْبِسُهُ مكانَه، فيصيرُ الجوُّ مظلمًا بعدَ ما كان مضيئًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصم: نُغْشِي بالنون (٢)، والباقون: بالياء إِنَّ فِي ذَلِكَ المذكورِ.
لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيها، والتفكُّرُ: تصرُّفُ القلبِ في معاني الأشياءِ.
...
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤).
[٤] وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ متلاصقاتٌ مختلفاتٌ مع تلاصُقِها طيبةٌ إلى سبخةٍ، وكثيرةُ الريعِ إلى قليلهِ، ونحوُ ذلك.
وَجَنَّاتٌ بساتينُ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ هي النخلاتُ يجمعُهُنَّ أصلٌ واحدٌ، ومنهُ قولُ النبيِّ - ﷺ - في العباسِ: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ" (٣).
(٢) "بالنون" ساقطة من "ت".
(٣) رواه مسلم (٩٨٣)، كتاب: الزكاة، باب: في تقديم الزكاة ومنعها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وَغَيْرُ صِنْوَانٍ النخلةُ المنفردةُ بأصلِها. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ) بالرفعِ في الأربعةِ عطفًا على (جَنَّاتٌ)، وقرأها الباقونَ: بالخفضِ عطفًا على (أَعْنَابٍ) (١).
يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وهي متغايرةٌ في الألوانِ والطُعومِ. قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: (يُسْقَى) بالياءِ على التذكيرِ؛ أي: يُسْقَى المذكورُ، وقرأ الباقونَ: بالتاءِ على التأنيث؛ أي: تُسْقَى الجنةُ بما فيها، وأمالَ حمزةُ، والكسائيُّ القافَ (٢).
وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ في الثمرِ والطَّعْم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَيُفَضِّلُ) بالياء؛ لقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ، وقرأ الباقون: بالنون على معنى: ونحن نفضِّلُ بعضَها على بعضٍ في الأُكُل (٣)، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ: (الأُكْلِ) بإسكانِ الكافِ، والباقون: بضمِّها (٤)، والأُكْلَةُ بضمِّ الهمزةِ: اللقمةُ، وبكسرِها: الحالةُ يؤكَلُ عليها،
(٢) المصادر السابقة.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
(٤) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٧).
فتح الرحمن في تفسير القرآن
أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي
نور الدين طالب