وبعد أن ذكر طعنهم في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله بالحشر والمعاد، ثم طعنهم فيه لأنه أنذرهم بحلول عذاب الاستئصال ذكر أنهم طعنوا فيه، لأنه لم يأت لهم بعجزة مبينة كما فعل الرسل من قبله فقال : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ
تفسير المفردات : والإنذار : التخويف. والهادي : القائد الذي يقود الناس إلى الخير كالأنبياء والحكماء والمجتهدين.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر إنكارهم لوحدانيته تعالى مع وضوح الأدلة على ذلك، من خلق السماوات بلا عمد وتسخير الشمس والقمر يجريان إلى أجل مسمى ومن مد الأرض وإلقاء الجبال الرواسي فيها إلى آخر ما ذكر من الآيات الدالة على عظيم قدرته وبديع صنعه لمن يتأمل ويتفكر في ذلك الملكوت العظيم ذكر هنا إنكارهم للبعث والنشور على وضوح طريقه وسطوع دليله قياسا على ما يرون ويشاهدون، فإن من قدر على خلق السماوات والأرض وسائر العوالم على هذا النحو الذي يحار الإنسان في الوصول إلى معرفة كنهه لا يعجز عن إعادته في خلق جديد كما قال تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى [ الأحقاف : ٣٣ ].
الإيضاح : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه أي ويقول الذين كفروا تعنتا وجحودا : هلا يأتينا بآية من ربه كعصا موسى وناقة صالح، فيجعل لنا الصفا ويزيح عنا الجبال ويجعل مكانها مروجا وأنهارا، وقد طلبوا ذلك ظنا منهم أن القرآن كتاب كسائر الكتب لا يدخل في باب المعجزات التي أتى بها الرسل السالفون.
وقد رد الله عليهم الشبهة بقوله في آية أخرى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [ الإسراء : ٥٩ ] أي إن سنتنا أن الآيات إن لم يؤمن بها من طلبوها أهلكناهم بذنوبهم، ولم نشأ أن يحل بكم عذاب الاستئصال.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم راغبا في إجابة مقترحاتهم حبا في إيمانهم بيّن له وظيفته التي أرسل لأجلها فقال :
إنما أنت منذر أي إن مهمتك التي بعثت لها هي الإنذار من سوء مغبّة ما نهى الله عنه كدأب من قبلك من الرسل، وليس عليك الإتيان بالآيات التي يقترحونها ابتغاء هدايتهم، فأمر ذلك إلى خالقهم وهاديهم ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء [ البقرة : ٢٧٢ ]، فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ الكهف : ٦ ].
ولكل قوم هاد أي ولكل أمة قائد يدعوهم إلى سبل الخير، فطره الله على سلوك طريقه بما أودع فيه من الاستعداد به بسائر وسائله، وقد شاء أن يبعث هؤلاء الهداة في كل زمان كي لا يترك الناس سدى. وأولئك هم الأنبياء الذين يرسلهم لهداية عباده، فإن لم يكونوا فالحكماء والمجتهدون الذين يسيرون على سننهم ويقتدون بما خلفوا من الشرائع وفضائل الأخلاق وحميد الشمائل، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم :" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ".
تفسير المراغي
المراغي