ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

قوله تعالى : الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر في " على " وجهان :
أحدهما : أن " عَلَى " على بابها من الاستعلاء المجازي.
والثاني : أنها معنى " مع " كقوله :[ المنسرح ]

إنِّي على مَا تَريْنَ مِنْ كِبَرِي أعْلَمُ من حَيْثُ تُؤكَلُ الكَتِفُ١
قال الزمخشري :" ومحلّ هذا [ الجار ]٢ النصب على الحال من الياء في " وهَبَ لِي " ".
الآية تدلُّ على أنه -تعالى- أعطى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق -صلوات الله وسلامه عليه- على الكبر والشيخوخة فأمَّا مقدار السنة فغير معلوم من القرآن، فالمرجعُ فيه إلى الروايات.
فروي لما ولدت إسماعيل كمان سن إبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه- تسعاً وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنة مائة واثنتي عشرة سنة.
وقيل : ولد إسماعيل لأربع وستين سنة، وولد إسحاق [ لتسعين ]٣ سنة.
وعن سعيد بن جبير -رضي الله عنه- لم يولد لإبراهيم صلى الله عليه وسلم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة، [ وإنما ذكر هذا الكبر ؛ لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم ؛ ]٤ لأنه زمن اليأس من الولد.
فإن قيل : إن إبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه- إنَّما دعا بهذا الدُّعاء عندما أسكن هاجر وابنها إسماعيل في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت لم يكن ولد إسحاق فيكف قال : الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ؟.
فالجواب : قال القاضي -رحمه الله- :" هذا الدَّليل يقتضي أن إبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه-، إنَّما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدَّم من الدعاء ويمكن أيضاً أنه -صلوات الله وسلامه عليه- إنَّما ذكر هذا [ الدعاء ]٥ بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق -صلوات الله وسلامه عليهما- وإن كان ظاهر الروايات بخلافه ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فصل
المناسبة بين قوله رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلاَ فِي السماء وبين قوله الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ، وذلك أنه كان في قلبه أن يطلب من الله سبحانه وتعالى إعانتهما، وإعانة ذريتهما بعد موته، ولكنَّه لم يصرِّح بهذا المطلوب بل قال : رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ أي : تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، فقوله : الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ يدلُّ ظاهراً على أنَّهما يبقيان بعد موته على سبيل الرمز والتعريض، وذلك يدلُّ على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء.


قال -صلوات الله وسلامه عليه- حاكياً عن ربِّه عز وجل أنه قال :" مَنْ شَغلهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألتِي أعْطَيتهُ أفْضَل ما أعْطِي السَّائلينَ " ٦.
ثم قال : إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعاء لما ذكر الدعاء على سبيل التعريض لا على وجه التصريح، قال : إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعاء من قولك :" سَمِعَ الأميرُ كلامَ فلانٍ " إذا اعتدَّ بِهِ وقلبهُ، ومنه " سَمِعَ اللهُ لمَنْ حَمدَهُ ".
قوله : لَسَمِيعُ الدعاء فيه أوجه :
أحدهما : أن يكون " فَعِيل " مثال مبالغة مضافاً إلى مفعوله وإضافته من نصب، وهذا دليل سيبويه على أن " فعيلاً " يعمل عمل اسم الفاعل، ون كان قد خالفهُ جمهور البصريين والكوفيين.
الثاني : أنَّ الإضافة ليست من نصب، وإنَّما هو كقولك :" هذا ضَارِب زيد أمس ".
الثالث : أن " سميعاً " مضاف لمرفوعه، ويجعل دعاء الله سميعاً على المجاز والمراد : سماع الله، قاله الزمخشريُّ.
قال أبو حيَّان٧ :" وهو بعيد لاستلزامه أن يكون من الصفة المشبهة والصفة متعدية وهذا إنما يتأتى على قول الفارسي رحمه الله تعالى فإنه يجيز أن تكون الصفة المشبهة من الفعل المتعدي بشرط أمن اللبس، نحو : زيدٌ ظالم العبيدَ، إذا علم أنَّ له عبيد ظالمين، وأما ههنا فاللبس حاصل، إذ الظاهر من إضافته المثل للمفعول لا الفاعل ".
قال شهاب الدين٨ :" واللَّبس أيضاً هنا منتف ؛ لأنَّ المعنى على الإسناد المجازي كما تقرر ".
١ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٢٣، روح المعاني ١٣/٢٤٢، الكشاف ٢/٤٣٦، حاشية الشهاب ٥/٢٧٤، الرازي ١٩/١٤١، السراج المنير ٢/١٨٧، شواهد الكشاف ٤/٤٥٨، الدر المصون ٤/٢٧٥..
٢ في ب: الحمد..
٣ في ب: لسبعين..
٤ سقط من ب..
٥ في ب: الكلام..
٦ تقدم تخريجه..
٧ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٢٣..
٨ ينظر: الدر المصون ٤/٢٧٦..

فصل


المناسبة بين قوله رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلاَ فِي السماء وبين قوله الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ، وذلك أنه كان في قلبه أن يطلب من الله سبحانه وتعالى إعانتهما، وإعانة ذريتهما بعد موته، ولكنَّه لم يصرِّح بهذا المطلوب بل قال : رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ أي : تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، فقوله : الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ يدلُّ ظاهراً على أنَّهما يبقيان بعد موته على سبيل الرمز والتعريض، وذلك يدلُّ على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء.

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية