ويقول سبحانه ما قاله إبراهيم –عليه السلام- ضراعة وحمدا له سبحانه :
الحمد لله الذي وَهَب لي على الكِبر(١) إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ٣٩
والوهْب هو عطاء من مُعْطٍ بلا مقابل منك. وكل الذرية هِبة، لو لم تكن هبة لكانت رتيبة بين الزوجين، وأينما يوجد زوجان توجد. ولذلك قال الله :
يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ٤٩ أو يُزوّجهم ذُكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير ٥٠ ( الشورى ).
والدليل على أن الذرية هِبة هو ما شاءه سبحانه مع زكريا عليه السلام، وقد طلب من الله سبحانه أن يرزقه بغلام يرثه، على الرغم من أنه قد بلغ من الكِبر عِتيًّا(٢) وزوجه عاقر، وقد تعجّب زكريا من ذلك، لأنه أنجب بقوة، وغي هذا المعنى يقول الحق سبحانه :
كذلك قال ربك هو عليّ هيِّن وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ٩ ( مريم ).
وهذا يعني ألا يدخل زكريا في الأسباب والمُسبّبات والقوانين.
وقد سمّى الحق سبحانه الذرية هِبة ؛ لذلك يجب أن نشكر الله على هِبته ؛ فلا تُرد هِبته، إن وهب لك إناثا فعلى العين والرأس ؛ لأن الذي يقبل هبة الله في إنجاب الإناث برضا يرزقه الله بشباب يتزوجون البنات، ويصبحون أطوع له من أبنائه، رغم أنه لم يشْقَ في تربيتهم.
وكل منا يرى ذلك في محيطه، فمن أنجب الأولاد الذكور يظل يرقب : هل يتزوج ابنه بمن تخطفه وتجعله أطوع لغيره منه.
وإن وهب لك الذكور فعلى العين والرأس أيضا، وعليك أن تطلب من الله أن يكون ابنك من الذرية الصالحة، وإن وهبك ذُكرانا وإناثا فلك أن تشكره، وتطلب من الله أن يُعينك على تربيتهم.
وعلى من جعله الحق سبحانه عقيما أن يشكر ربه، لأن العُقْم أيضا هبة منه سبحانه، فقد رأينا الابن الذي يقتل أباه وأمه، ورأينا البنت التي تجحد أباها وأمها.
وإن قبِل العاقر هبة الله في ذلك، وأعلن لنفسه ولمن حوله هذا القبول، فالحق سبحانه وتعالى يجعل نظرة الناس كلهم له نظرة أبناء لأب، ويجعل كل من يراه من شباب يقول له :( أتريد شيئا يا عم فلان ؟ ) ويخدمه الجميع بمحبة صافية.
وإبراهيم –عليه السلام- قد قال للحق سبحانه :
الحمد لله الذي وَهَب لي على الكِبر.. ٣٩ ( إبراهيم ).
والشكر على الهبة –كما عرفنا- يُشكّل عطاء الذرية في الشباب، أو في الشيخوخة.
وأهل التفسير يقولون في :
على الكِبر.. ٣٩ ( إبراهيم ).
أنه يشكر الحق سبحانه على وهبه إسماعيل وإسحق مع أنه كبير. ولماذا يستعمل الحق سبحانه ( على ) وهي من ثلاثة حروف، بدلا من ( مع ) ولم يقل :( الحمد لله الذي وهب لي مع الكِبَر إسماعيل وإسحاق ).
وأقول : إن ( على ) تفيد الاستعلاء، فالكِبَر ضَعْف، ولكن إرادة الله أقوى من الضعف، ولو قال :( مع الكبر ) فالمعية هنا لا تقضي قوة، أما قوله :
وَهب لي على الكِبر.. ٣٩ ( إبراهيم ).
فيجعل قدرة الله في العطاء فوق الشيخوخة.
وحين يقول إبراهيم عليه السلام ذلك، فهو يشكر الله على استجابة لما قاله من قبل :
إني أسكنت من ذرّيتي بوادٍ غير ذي زرع.. ٣٧ ( إبراهيم ).
أي : أنه دعا أن تكون له ذرية.
ويُذيِّل الحق سبحانه الآية بقول إبراهيم :
إن ربي لسميع الدعاء ٣٩ ( إبراهيم ).
٢ عتا عتوّا وعتيا: أسنّ وكبر وذهبت نضارته وغضارته. قال تعالى عن زكريا: وقد بلغت من الكِبر عتيّاً ٨ (مريم). [القاموس القويم ٢/٦]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي