قوله تعالى : هذا بَلاَغٌ إشارة إلى ما تقدَّم من قوله :" ولا تحْسَبنَّ " إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي : كافية في الموعظة.
قوله تعالى : وَلِيُنذَرُواْ بِهِ فيه أوجه :
أحدها : أنه متعلقٌ بمحذوف، أي : ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني :[ أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب " بلاغ "، تقديره : لينصحوا ولينذروا ](١).
الثالث : أن الواو مزيدة :" ولِيُنْذَرُوا " متعلق ب " بَلاغٌ "، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع : أنه محمولٌ على المعنى، أي : ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس : أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله :" ولِيَذّكَّرَ " فإن منصوب فقط.
قال شهاب الدين(٢) : قال بعضهم : لا محذور في ذلك، فإن قوله :" لِيَذَّكرَ " ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي : وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس : أنه خبر لمبتدأ مضمر، التقدير : هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع : أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي : هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن : أنه معطوف على قوله :" يُخْرجَ النَّاسَ " في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع : قال أبو البقاء(٣) :" المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره : ولينذروا به أنزل، أو تلي ".
قال شهاب الدين(٤) :" فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب : هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك ".
وقرأ العامة :" لِيُنذَرُوا " مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ(٥) وحميد بن قيس :" ولتُنْذِرُوا " بتاء مضمومة، وكسر الذال -كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ(٦) يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد بن يزيد بن أسيد السلمي " ولِيَنْذَرُوا " بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي : علم به فاستعد له.
قالوا : ولو لم يعرف مصدر فهو ك " عَسَى "، وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها.
فصل
معنى " لِيُنْذَرُوا " أي : وليخوفوا به وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ أي : يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله -تعالى- : وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب أي : يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي(٧) : أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاعه، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى : لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى : وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب يدلُّ على أنَّه -تعالى- إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق ؛ فيصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
٢ ينظر: الدر المصون ٤/٢٨٣..
٣ ينظر: الإملاء ٢/٧١..
٤ ينظر: الدر المصون ٤/٢٨٤..
٥ ينظر: البخر المحيط ٥/٤٢٩ والدر المصون ٤/٢٨٤..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٣٤٨ والبحر المحيط ٥/٤٢٩ والدر المصون ٤/٢٨٤..
٧ ١٩/١١٨. ينظر: الفخر الرازي.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود