قوله تعالى: مِن صَلْصَالٍ :«مِنْ» لابتداء الغاية أو للتبعيضِ. والصَّلْصال: قال أبو عبيدة: «وهو الطينُ المختلِطُ بالرَّمْل، ثم يَجِفُّ، فيُسمع له صَلْصَلَةٌ، أي: تَصْوِيْت». وقال الزمخشري: «الطين اليابسُ الذي يُصَلْصِلُ من غيرِ طبخٍ، فإذا طُبِخَ فهو فَخَّار». وقال أبو الهيثم: «هو صوت اللِّجامِ وما أشبهه كالقَعْقَعَة في الثوبِ». وقال الزمخشري أيضاً: «قالوا: إذا تَوَهَّمْتَ في صوتِه مَدَّاً فهو صَليل، وإن توهَّمْتَ فيه ترجيعاً فهو صَلْصَلَة. وقيل: هو مِنْ تضعيفِ» صَلِّ: إذا أَنْتَنَ «. انتهى. وصَلْصال هنا بمعنى مُصَلْصِل كزَلْزال بمعنى مُزَلْزِل، ويكون فَعْلال أيضاً مصدراً نحو: الزِّلزال. ويجوز كسرُه أيضاً.
صفحة رقم 155
وفي وزن هذا النوعِ أعني ما تكَّررت فاؤه وعينُه خلاف، فقيل: وزنه فَعْفَع، كُرِّرَتْ الفاءُ والعينُ ولا لامَ للكلمة، قاله الفراء وغيرُه. وهو غَلَطٌ لأنَّ أقلَّ الأصولِ ثلاثةٌ: فاء وعين ولام. الثاني: أنّ وزنَه فَعْفَل وهو قولُ الفرّاء. الثالث: أنه فَعَّل بتشديدِ العينِ وأصلُه صَلَّل، فلما اجتمع ثلاثةُ أمثالٍ أبدل الثاني من جنسِ فاءِ الكلمةِ وهو مذهبٌ كوفي. وخصَّ بعضُهم هذا الخلافَ بما إذا لم يختلَّ المعنى بسقوطِه نحو: لَمْلَمَ وكَبْكَبَ فإنك تقول فيهما: لَمَّ وكَبَّ، فلو لم يَصِحَّ المعنى بسقوطِه نحو: سِمْسِم، قال: فلا خلاف في أصالةِ الجميع.
قوله: مِّنْ حَمَإٍ فيه وجهان، أحدهما: أنه في محلِّ جرّ صفةً لصَلْصال، فيتعلَّقُ بمحذوف. والثاني: أنه بدلٌ من» صَلْصال «بإعادة الجارِّ.
والحَمَأُ: الطينُ الأسودُ المُنْتِنُ. قال الليث:» واحدُه حَمَأة بتحريك العين «، جعله اسمَ جنسٍ، وقد غَلِط في ذلك؛ فإنَّ أهلَ اللغة قالوا: لا يُقال إلا» حَمْأة «بالإِسكان، ولا يُعْرَفُ التحريكُ، نصَّ عليه أبو عبيدة وجماعة، وأنشدوا لأبي الأسود:
فلا تكون» الحَمْأَةُ «واحدةَ» الحَمَأ «لاختلاف الوزنين.
٢٩٣ - ٩- يجيءُ بِمِلْئِها طَوْراً وطَوْراً يَجِيءُ بِحَمْأَةٍ وقليلِ ماءِ
والمَسْنُون: المَصْبوبُ مِنْ قولهم: سَنَنْتُ الشرابَ كأنَّه لرطوبتِهِ جُعِل مَصْبوباً كغيره من المائعات، فكأنَّ المعنى: أَفْرغ صورة إنسانٍ كما تُفْرَغُ الجواهرُ المُذابة. قال الزمخشري:» وحَقُّ مَسْنُون بمعنى مُصَوَّر أن يكون صفةً لصَلْصال، كأنه أًَفْرغ الحَمَأَ فَصَوَّر منه تمثالَ شخصٍ «. قلت: يعني أنه يصيرُ التقدير: مِنْ صَلْصالٍِ مُصَوَّر، ولكن يلزم تقديمُ الوصفِ المؤوَّلِ على الصريح إذا جَعَلْنَا مِّنْ حَمَإٍ صفةً لصَلْصال، أمَّا إذا جَعَلْنَاه بدلاً منه فلا. وقيل: مَسْنُون مُصَوَّر، مِنْ سُنَّةِ الوجهِ وهي صورتُه. قال الشاعر:
وقال الزمخشري:» مِنْ سَنَنْتُ الحجرَ بالحجر: إذا حَكَكْتُه به فالذي يَسِيل بينهما «سَنينٌ» ولا يكون إلا مُنْتِناً «. وقيل: المَسْنُون: المنسوبُ إليه، والمعنى: يُنْسَبُ إليه ذُرِّيَّةً، وكأن هذا القائلَ أخذه مِنَ الواقع. وقيل: هو من أسِن الماءُ إذا تَغَيَّر، وهذا غَلطٌ لاختلافِ المادتين.
٢٩٤ - ٠- تُريكَ سُنَّة وَجْهٍ غيرَ مُقْرِفَةٍ .......................
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط