ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

٢٦ - قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ قال ابن عباس وغيره: يعني آدم (١)، والكلام في وزن الإنسان واشتقاقه قد تقدم في أول الكتاب؛ عند قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ [البقرة: ٨].
وقوله تعالى: مِنْ صَلْصَالٍ، اختلفوا في معناه، فقال قوم: هو طين حر يصلصل إذا نقر؛ لِيُبْسِه، يقال: صلَّ الحديدُ وغيرُه يَصِلُّ صليلاً، وصلصل إذا صَوَّت، ومنه قول لبيد:
كلَّ حِرباءٍ إذا أُكْرِهَ (٢) صلّ (٣)

(١) أخرجه "الطبري" ١٤/ ٢٧ بلفظه من طريق سعيد بن جبير صحيحة، والماوردي ٣/ ١٥٧ بلفظه عن أبي هريرة والضحاك، وورد بلفظه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢١٨، والطوسي ٦/ ٣٣٠.
(٢) في جميع النسخ: (أكرم)، والمثبت موافق للديوان وجميع المصادر.
(٣) وصدره:
أَحْكَمَ الجُنْثِيُّ من عَوْرَاتِها
"شرح ديوان لبيد" ص ١٩٢، وورد في "العين" ٦/ ٩٩، "المعاني الكبير" ٢/ ١٠٣٠، "جمهرة اللغة" ١/ ١٤٣، ٣/ ١٣٢٢ وفيه: (نَعْتِها) بدل (عوراتها)، "تهذيب اللغة" (حكم) ١/ ٨٨٦، (صل) ٢/ ٢٠٤٦، "اللسان" (حرب) ٢/ ٨١٨، (جنث) ٢/ ٦٩٦، (صلل) ٤/ ٢٤٨٧، (حكم) ٢/ ٩٥٢، "التاج" (جنث) ٣/ ١٨٦ (الجُنْثيُّ) بضم الجيم وكسرها، وبالنصب وبالرفع؛ فمن قال: الجنْثِيُّ بالرفع ونصب كلاَّ أراد: الحدّادُ أو الزَّرّادُ، أي أحكم صنعة هذه الدِّرع، ومن قال: الجنْثِيَّ بالنصب ورفع كلاَّ -وهي رواية الأصمعي- أراد: السيف؛ يقول هذه الدِّرع لإحكام صنعتها تمنع السيف أن يمضي فيها، وكل شيء أحكمته فقد منعته، وأحكم هنا بمعنى رَدَّ، (عوراتها) واحدها عورة، وهىِ الفُتُوقُ والفُرَج في الدِّرع، (الحِرْبَاءُ) مسمارُ الدِّرْع، وقيل هو رأسُ المِسمار في حَلْقَةِ الدِّرْع، (صل) يقال صلّ المسمارْ يصلُّ صَليلاً، إذا ضُرب وأكره أن يدخل في الشيء فسمعت صوته.

صفحة رقم 590

وأنشد ابن الأنباري (١):

عَنْتَرِيسٌ تَعْدو إذا مَسَّها السَّوْطُ كَعَدْوِ المُصَلْصِلِ الجوَّالِ (٢)
قال يريد بالمصلصل الحمار المصوت، وهذا قول الفراء (٣) والزجاج (٤) وأبي عبيدة (٥)، ونحوه قال الأخفش، قال: وكل شيء له صوتٌ فهو صلْصالٌ من غير الطين (٦)، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي، قال: الصلصال: الطين اليابس (٧)، وفي رواية إسرائيل (٨):
(١) البيت للأعشى.
(٢) "ديوان الأعشى" ص ١٦٥، وورد في: "اللسان" (صلل) ٤/ ٢٤٨٦ برواية (الصوت) بدل (السوط)، وفي "مجاز القرآن" ١/ ٣٥١، و"الكامل" ٣/ ١٠٠ برواية: (حُرّك) بدل (مسها)، الغريب لابن قتيبة ١/ ٢٤١ (عجزه)، "تفسير القرطبي" ١٠/ ٢١ (عجزه)، (عنتريس)؛ العَتَرَّس: الضخم من الدواب، والمقصود: الناقة الصلبة الغليظة، الكثيرة اللحم، الوثيقةُ الخلق، وقد يُوصَف به الفرسُ. "المحيط في اللغة" (عترس) ٢/ ٢٥٠، "متن اللغة" ٤/ ٢١.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٨٨ بمعناه.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٧٨ بنحوه.
(٥) "مجاز القرآن" ١/ ٣٥٠ بنحوه
(٦) ليس في معانيه، وهو في التهذيب بنصه، والغالب أنه نقله منه. انظر: "تهذيب اللغة" (صل) ١٢/ ٢٠٤٦.
(٧) "أخرجه الطبري" ١٤/ ٢٨ من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد في "تفسير الماوردي" ٣/ ١٥٧ بنصه، "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٩٧، "تفسير القرطبي" ١٠/ ٢١، الخازن ٣/ ٩٤، ابن كثير ٢/ ٦٠٦، "الدر المنثور" ٤/ ١٨٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٨) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيْعي الهمداني، أبو يوسف الكوفي، أحد الأعلام، ثقة تُكُلِّم فيه بغير حجة، اعتمده البخاري ومسلم في الأصول، روى عن السدي وجَدِّه أبي إسحاق، وعنه وكيع وأبو نعيم، مات سنة (١٦٢ هـ) انظر: "طبقات ابن سعد" ٦/ ٣٧٤، "الجرح والتعديل" ٢/ ٣٣٠، "ميزان الاعتدال" ١/ ٢٠٨، "تقريب التهذيب" ص ١٠٤ رقم (٤٠١).

صفحة رقم 591

ّالصلصال الذي إذا قُرعَ صوَّت (١) وروى عنه أبو صالح أنه الطين الحر الذي
إذا نَضَب عنه الماء تشقق، فإذا حُرك تقعقع (٢)، وهذا قول الحسن وقتادة في الصلصال.
قال المفسرون: خلق الله آدم من طين فصوَّره ومكث في الشمس أربعين سنة حتى صار صلصالًا كالخزف لا يدري أحد ما يُراد به، ولم يروا شيئًا من الصورة يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح (٣).

(١) ورد في "تفسير الوسيط" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٥٣ بنحوه، والطوسي ٦/ ٣٣٠ بمعناه، "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٩٧، "الدر المنثور" ٤/ ١٨٢ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
(٢) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٨ أ، بنصه عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨ عن قتادة بمعناه، وانظر: "تفسير البغوي" ٤/ ٣٧٨ عن ابن عباس، الخازن ٣/ ٩٤ عن ابن عباس، "الدر المنثور" ٤/ ١٨٢ وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أقف عليه منسوباً إلى الحسن.
(٣) ما أشار إليه هنا جزء من خبر طويل مروي عن ابن عباس وبعض الصحابة، أخرجهما الطبري من طريقين، وأشار إلى التعارض بين الروايتين، ثم قال: وهذا إذا تدبره ذو فهم، علم أن أوله يفسد آخره، وأن آخره يبطل معنى أوله، وأورد ابن كثير الروايتين، وعقَّب على رواية ابن عباس -والتي فيها أنه مكث أربعين ليلة جسداً- قائلاً: هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور، وقال بعد الرواية الأخرى - والتي فيها أنه مكث أربعين سنة جسداً: فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة والله أعلم. انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، وما بعدها، "العظمة" ص ٤٥٣ عن ابن زيد، "تفسير السمرقندي" ١/ ١٠٨، ابن كثير ١/ ٧٤ وما بعدها، وأورد السوطي في الدر المنثور رواية ابن عباس ١/ ٩٣ - ١٠٠، وأورد الرواية الأخرى عن ابن مسعود =

صفحة رقم 592

وقال آخرون الصلصال المنتن، من قولهم: صلَّ اللحمُ وأصلَّ، إذا (١) أنْتَن وتغيَّر، ومنه قول الشاعر (٢):

رأيْتُكمُ بَنِي الْخَذْوَاءِ لمّا دَنَى الأضْحَى وصَلَّلَتِ اللِّحَامُ (٣)
= مسعود وغيره، وزاد نسبته إلى البيهقي وابن عساكر ١/ ١١٦ ومما يؤيّد رد هذا القول -إضافة إلى انتقاد ابن جرير وابن كثير لأصل الخبر- التعارض بين الروايتين في المدة التي مكثها آدم قبل أن ينُفخ فيه الروح، فإحدى الروايتين ذكرت أنها أربعين ليلة، والأخرى ذكرت أنها أربعين سنة، والغريبُ أن قضية مُكْث أدم فترة قبل نفخ الروح فيه ثابته بالحديث الصحيح، لكن دون تعيين هذه الفترة أو مكان المُكث - في الظل أو الشمس. فعن أنس (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لمّا صوَّر اللهُ آدمَ في الجنّة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يُطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عَرف أنه خُلِقَ خلقًا لا يتمالك) رواه مسلم (٢٠٦١١) كتاب: البر والصلة، باب: خلق الإنسان، ومعنى لا يتمالك: أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، وقيل لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل لا يملك نفسه عند الغضب، والمراد جنس بني آدم. "صحيح مسلم بشرح النووي" ١٦/ ١٦٤.
(١) "تهذيب اللغة" (صل) ٢/ ٢٠٤٦ بنصه.
(٢) هو أبو الغُول الطُّهَوي شاعر إسلامي من بني طهيّة.
(٣) ورد في: "نوادر أبي زيد" ص ٤٣٣ وفيه: (أتى) بدل (دنى)، "تهذيب إصلاح المنطق" ص ٤١٦، "اللسان" (لحم) ٧/ ٤٠١٠، (خذا) ١٤/ ٢٢٥، (ضحا) ٥/ ٢٥٦٠، وورد بلا نسبة في: "إصلاح المنطق" ص ١٧١، ٢٩٨، ٣٦٠، "المذكر والمؤنث" للأنباري ١/ ٢٦٣، "تهذيب اللغة" (ضحا) ٣/ ٢٠٩٦، "مقاييس اللغة" ٣/ ٣٩٢ (عجز)، "مجمل اللغة" ١/ ٥٧٤ (عجز)، "الصحاح" (ضحا) ٦/ ٢٤٠٧، "المخصص" ١٣/ ٩٩، ١٧/ ٢٦. (الخذواء) المسترخية، وأصل الخذا: استرخاءُ الأذن، يقال: أذن خذواء: مسترخية، (اللحام) جمع لحم، (صلّلت) أنتنت، قال الشاعر البيت وهو يهجو قوماً، يوضحه البيت الثاني وهو:
تبَاعَدْتُمْ بِؤدكمُ وقلْتُمْ لَعَكٌّ مِنْكَ أقْربُ أو جُذَامُ
يقول لهم: لمَّا كثرت اللحوم فشبعتم واستغنيتم، توليتم بودّكم عنّي، ومعنى قوله =

صفحة رقم 593

وقال زهير:

تُلَجْلِجُ مُضْغَةً فيها أَنِيضٌ أَصَلَّتْ فهي تَحْتَ الكَشْحِ داءُ (١)
قال ابن الأنباري: والأصل في صَلْصَال صَلاَل، فأبدلت الصاد من اللام الثانية، ومنه كثير، وهو قول مجاهد، قال: الصلصال المنتن (٢)، واختاره الكسائي (٣).
= (لعكٌّ منك أقرب أو جذامُ) يريد أنهم أنكروه حين شبعوا، وأظهروا أنهم لا يعرفونه، فسألوه عن نسبه فقالوا: أأنت من جُذامٍ أم من عكٍ؟ وهما قبيلتان من قبائل اليمن، وهو من تميم، وإنما أنكروه لئلا يقوموا بحقه، فهو يصفهم بالبخل، وإن كان الشيء الذي سألهم كثيراً عندهم.
(١) "شرح ديوان زهير" ٨٢، وورد في "العين" ٧/ ٦٢، "جمهرة اللغة" ٣/ ١٢٦٠، "تهذيب اللغة" (لج) ٤/ ٢٧٣٢، (أنض) ١/ ٢١٨، "مقاييس اللغة" ١/ ١٤٥، ٥/ ٢٠١، "اللسان" (لجج) ٧/ ٤٠٠٠، (أنض) (٧/ ١١٥)، (صلل) ٤/ ٢٤٨٧، "التاج" "أنض" ١٠/ ١٠، (لجْلَج): ردّد، ومنه: لجْلج اللقمة في فِيهِ، أدارها من غير مضْغٍ ولا إساغةٍ، (أنيض) يقال: لحمٌ أنيضٌ: إذا بقي فيه نُهُوءةٍ؛ أي لم يَنْضَجْ، وآنَضْتُه إيناضاً، أي أنضَجْتُه فنضِجَ، (الكشح) قال الليث: هو ما بين الخاصرة إلى الضِّلَعِ الخَلْف، قال الأزهري: هما كشْحان؛ وهو موقع السيف من المتقَلِّد، وقيل الكشْحان جانبا البطن من ظاهر وباطن، وقيل غير ذلك، يقول: أخذت هذا المال، فأنت لا تأخذه ولا تردُّه كما يُلجلجُ الرجلُ المضغة، فلا يبتلعها ولا يلقيها. انظر: (كشح) في: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٤٦.
(٢) الذي ورد في "تفسير مجاهد" ص ٣٤١ قال: الصلصال: الطين، والحمأ المسنون: المنتن، ورواية الواحدي أخرجها الطبري ١٤/ ٢٨ بلفظها، ووردت في: "تفسير هود الهواري" ٢/ ٤٤٧ بلفظه، والثعلبي ٢/ ١٤٨ أبلفظه، والماوردي ٣/ ١٥٧ بلفظه، والطوسي ٦/ ٣٣١ بلفظه، "تفسير البغوي" ٤/ ٣٧٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٧، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ٢١، والخازن ٣/ ٩٤، وابن كثير ٢/ ٦٠٦.
(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٨ أ، "تفسير البغوي" ٤/ ٣٧٨، ابن الجوزي ٤/ ٣٩٧، "تفسير القرطبي" ١٠/ ٢١، الخازن ٣/ ٩٤.

صفحة رقم 594

وقوله تعالى: مِنْ حَمَإٍ، قال ابن الأنباري: (من) هاهنا مفسرة لجنس الصلصال؛ كما تقول: أخذت هذا من رجل من العرب.
وأما: الحَمَأُ، فقال الليث: الحَمَأةُ بوزن فَعَلة والجميع الحَمَأُ (١)، وهو الطين الأسود المنتن (٢).
وقال أبو عبيدة والأكثرون: حَمَأ (٣) تقديرها: حَمْأة (٤)، وأنشد لأبي الأسود (٥):

(١) "تفسير الفخر الرازي" ١٩/ ١٨٠، و"تفسير أبي حيان" ٥/ ٤٤٣، و"الدر المصون" ٧/ ١٥٦.
(٢) ورد في "العين" ٣/ ٣١٢ بنصه، "تفسير الطبري" ١٤/ ٢٨ بنحوه، "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢١٨ بنصه، والماوردي ٣/ ١٥٧ بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" ١٠/ ٢١، الفخر الرازي ١٩/ ١٨٠، الخازن ٣/ ٩٤، أبي حيان ٥/ ٤٤٣، "الدر المصون" ٧/ ١٥٦.
(٣) في جميع النسخ: (حمأة)، والتصويب من المصدر.
(٤) "مجاز القرآن" ١/ ٤١٣ وعبارته: قال: (من حَمَأ) أي من طين متغير؛ وهو جميع حَمْأة، وضبطها المحقق بالتسكين، وهو الموافق للبيت الذي استشهد به، وهو القائل: ولا يُعرف في كلام العرب الحمْأة إلا ساكنة الميم؛ كما في "تفسير أبي حيان" ٥/ ٤٤٣، و"الدر المصون" ٧/ ١٥٦، لكن العريب أن صاحب "اللسان" نسب إليه تحريكها، فقال: وقال أبو عبيدة: واحدة الحَمَأ حَمَأة؛ كقَصَبة واحدة القَصب، وتبعه صاحب "التاج". انظر: (حمأ) في: "اللسان" ٢/ ٩٨٦، "التاج" ١/ ١٤٠ فلعلهما وَهِمَا.
(٥) أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدُّؤلي البصري التابعي، أول من أسس النحو ووضع قواعده وأول من نقط المصحف، محدثاً فقيهًا شاعراً سريع الجواب، كان ثقة في الحديث روى له البخاري ومسلم، حدّث عن علي وعمر وابن عباس -رضي الله عنه- وشهد صفين مع علي -رضي الله عنه- مات سنة (٩٩ هـ). انظر: "أخبار النحويين البصريين" ص ٣٣ "طبقات النحويين واللغويين" ص ٢١، "تهذيب الألسماء واللغات" ٢/ ١٧٥، "إنباه الرواة" ١/ ٤٨، "تقريب التهذيب" ص ٦١٩ رقم (٧٩٤٠)، "البغية" ٢/ ٢٢.

صفحة رقم 595

لَعَمْرُكَ ما المَعِيْشَةُ بالتّمَنّي ولكنْ ألْق دَلْوَكَ في الدِّلاءِ
تَجِيْءُ بِمِلاَها طَوْرًا وطَوْرًا تَجِيْءُ بِحَمْأَةٍ وقليلِ ماءِ (١)
والجمع حَمَأ، كما يقال تَمْرة وتَمْر، ونَخْلة ونَخْل، والحَمَأُ أصله المصدر، نحو الجَزَع والهَلَع، ثم يُسَمّى به، ولا يعرف في كلام العرب الحَمْأَة إلا ساكنة الميم (٢)، وهذا هو الصحيح، وقول الليث وهْم، ويُذْكر الفعل من هذا الحرف عند قوله: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] إن شاء الله.
وقوله تعالى: مَسْنُونٍ قال ابن السَّكِّيت: سمعت أبا عمرو يقول في قوله: مَسْنُونٍ أي متغيِّر (٣)، قال أبو الهيثم يقال: سُنَّ الماء فهو مَسْنُون،
(١) "ديوانه" ص ١٢٦، وورد في "المذكر والمؤنث" للأنباري ١/ ٤١١ برواية:
فما طلب المعيشة بالتّمنّي تجِئْكَ بِملْئها يوماً ويوماً
وورد البيت الثاني فقط في "مجاز القرآن" ١/ ٤١٣ كرواية المذكر بخلاف (تجيء)، "تفسير أبي حيان" ٥/ ٤٤٣ كرواية الواحدي بخلاف (يجئك بملئها)، "الدر المصون" ٧/ ١٥٦ كالواحدي بخلاف (بملئها).
(٢) انظر: "العين" (حمو) ٣/ ٣١٢، "المقصور والممدود" للفراء ص ٤٩، "المحيط في اللغة" (حمو) ٣/ ٢٢٩، "الصحاح" (حمأ) ١/ ٤٥، "المفردات" ص ٢٥٩، "الأساس" ص ١٤٠ "عمدة الحفاظ" ١/ ٥١٨،"متن اللغة" ٢/ ١٥٧، وقد وردت متحركة في "العباب الزاخر" للصغاني أ/ ٤٥ قال: الحَمَأُ والحَمَأَةُ: الطينُ الأسودُ، وكذا وردت ساكنة ومتحركة في "التاج" (حمأ) ١/ ١٤٠، ونسب تحريها إلى أبي على القالي في كتابه المقصور والممدود [لم أقف عليه]، وقال: الحَمَأُ: الطين المتغيِّر، مقصورٌ مهموزٌ، وهو جمع حَمَأَةٍ، كما يقال قَصَبَةٌ وقَصَبٌ، ومثله قال أبو عبيدة، ثم قال: وقال أبو جعفر: وقد تُسَكَّن الميمُ للضرورة في الضرورة، وهو قولُ ابنِ الأنبارىِ.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (سن) ١٢/ ٣٠١ بنصه، الغريب أنه أورد قولين لأبي عمرو لكنه نسب عبارة التهذيب لابن السِّكِّيت -كما ذكرها الأزهري- ولم ينسب عبارة إصلاح المنطق -التالية- لابن السكيت.

صفحة رقم 596

أي: تغيِّر (١)، وقال ابن قتيبة: المسنون المتغير الرائحة (٢)، وقوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: ٢٥٩] قال أبو عمرو الشيباني: أي لم يتغير، من وقوله: حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣) ذكرنا ذلك في سورة البقرة [: ٢٥٩].
قال الفراء: المسنون المتغيِّر؛ كأنه أخذ من: سَنَنْتُ الحَجَر على الحَجَر، إذا حككته عليه، والذي يخرج من بينهما يقال له: السَّنِين (٤)، وسُمِّي المِسَنُّ مِسَنًّا؛ لأن الحديد يتغير بِحَكِّكَ عليه (٥)، وعلى قوله يجب أن يكونَ المسنونُ المحكوكَ لا المتغيرَ، وهذا القول في الحمأ المسنون يقوي قول مجاهد في الصلصال؛ أنه المنتن، ومن قال: الصلصال الذي له صوت، قال: صُوِّرَ آدمُ من حمأ مسنون ثم جف فصار صلصالاً، هذا الذي ذكرنا أحد الأقوال في المسنون، واختار الزجاج هذا القول؛ مسنون: مُتَغَيِّر، وإنما أخذ من أنه على سُنَّةِ الطريق؛ لأنه إنما يتغير إذا قام بغير ماءٍ جارٍ (٦).
وقال أبو عبيدة: المَسْنُون المصبوب (٧)، والسَّنُّ الصبُّ يقال: سنّ الماءَ على وجهه سنًا (٨)، وقال سيبويه: المسنون المصوَّر على صورة

(١) "تهذيب اللغة" (سن) ١٢/ ٣٠١ بنصه.
(٢) "الغريب" لابن قتيبة ص ٢٣٨ بلفظه.
(٣) "إصلاح المنطق" ص ٣٥٢ بنصه.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٧٧٨ بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ٧٧٨ بنصه.
(٥) "تهذيب اللغة" (سن) ٢/ ١٧٧٨ بمعناه، وقد نسبه الأزهري للفراء، ولم أجده في معانيه.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٧٧٨ بنصه.
(٧) "مجاز القرآن" ١/ ٣٥١ بلفظه.
(٨) "تهذيب اللغة" (سن) ٢/ ١٧٧٨ بنحوه.

صفحة رقم 597

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية