قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ.
بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ الْوَارِثُ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الشَّيْءَ الَّذِي يَرِثُهُ، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ يَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [١٩ ٤٠] وَقَوْلِهِ: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [١٩ ٨٠] وَمَعْنَى مَا يَقُولُ: أَيْ نَرِثُهُ الَّذِي يَقُولُ إِنَّهُ يُؤْتَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [١٩ ٧٧] وَمَعْنَى كَوْنِهِ يَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا أَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ كَيْفَ يَشَاءُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ.
بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ خَلَقَ أَبَانَا آدَمَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، وَالصَّلْصَالُ الطِّينُ الْيَابِسُ الَّذِي يَصِلُ أَيْ يُصَوِّتُ مِنْ يُبْسِهِ إِذَا ضَرَبَهُ شَيْءٌ مَا دَامَ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، فَإِذَا مَسَّتْهُ النَّارُ فَهُوَ حِينَئِذٍ فَخَّارٌ، وَأَصْلُ الصَّلِيلِ وَالصَّلْصَلَةِ وَاحِدٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّكَ إِذَا تَوَهَّمْتَ فِي الصَّوْتِ مَدًّا فَهُوَ صَلِيلٌ، وَإِذَا تَوَهَّمْتَ فِيهِ تَرْجِيعًا فَهُوَ صَلْصَلَةٌ، وَالْحَمَأُ: الطِّينُ الْأَسْوَدُ الْمُتَغَيِّرُ، وَالْمَسْنُونُ قِيلَ: الْمُصَوَّرُ مِنْ سَنَّةِ الْوَجْهِ وَهِيَ صُورَتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
| تُرِيكَ سَنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ | مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلَا نَدَبُ |
| أَغَرٌّ كَأَنَّ الْبَدْرَ سَنَّةُ وَجْهِهِ | جَلَا الْغَيْمُ عَنْهُ ضَوْءَهُ فَتَبَدَّدَا |
أضواء البيان
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي