ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

و إخواناً : حال من الضمير المضاف إليه ؛ لأنه جزء ما أضيف إليه، والعامل فيه : الاستقرار، أو معنى الإضافة، وكذا : على سُرُر متقابلين ، ويجوز أن يكون صفتين لإخوان، أو حالين من ضميره.
وَنَزَعْنا ما في صُدُورهم من غلٍّ أي : من حقد وعداوة كانت في الدنيا، وعن علي رضي الله عنه :( أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم )، أو من التحاسد على درجات ومراتبِ القُرْبِ.
قلت : أما التحاسد على مراتب القرب فلا يكون ؛ لاستغناء كل أحد بما لديه، وأما التأسف والندم على فوات ذلك بالتفريط في الدنيا فيحصل، ففي الحديث :" ليس يَتَحَسَّرُ أهْلُ الجَنَّةِ على شيء إلاَّ على سَاعَةٍ مَرَّتْ لهم لَمْ يَذْكُرُوا الله فيهَا " ١. ولا يحصل التحسر حتى يرى ما فاته باعتبار وقوفه. قال ابن عطية : ذكر هنا نزع الغل من قلوب أهل الجنة، ولم يذكر له موطناً، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط، وجاء في بعضها : أن ذلك على أبواب الجنة، وفي بعضها : أن الغل يبقى على أبوابها كمعاطن الإبل. ثم قال : وجاء في بعض الأحاديث : أن نزع الغل إنما يكون بعد استقراهم في الجنة. والذي يقال في هذا : أن الله ينزعه في موطن من قوم وفي موطن من آخرين. ه.
قلت : والذي جاء في الأحاديث الواردة في أخبار الآخرة : أن أهل الجنة، إذا قربوا منها وجدوا على بابها عينين، فيغتسلون في إحداهما، فتنقلب أجسادهم على صورة آدم عليه السلام، ثم يشربون من الأخرى فتطهر قلوبهم من الغل والحسد، وسائر الأمراض، وهو الشراب الطهور. قاله القشيري في قوله تعالى : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً [ الإنسان : ٢١ ] : يقال : يُطَهَّرُهم من محبة الأغيار، ويقالُ : ويُطَهَّرُهم من الغلِّ والغِشِّ والدَّعوى. . . الخ ما يأتي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وسترى وتعلم.
ثم قال تعالى : إخواناً ، أي : لما نزعنا ما في صدورهم من الغل صاروا إخواناً متوددين، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، على سُرُرٍ متقابلين ؛ يقابل بعضهم بعضاً على الأسرة، لا ينظر أحد في فناء صاحبه. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمان الفاسي : المتجه أن المقابلة معنوية، وهي عدم إضمار الغل والإعراض، سواء اتفق ذلك حسّاً أم لا، ومن أضمر لأخيه غلاً فليس بمقابله، ولو كان وجهه إلى وجهه، بل ذلك أخلاقُ نفاقٍ، ولذلك شواهد بذمه لا بمدحه. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : لا ينقطع عن العبد تسلط الشيطان حتى يدخل مقام الشهود والعيان، حين يكون عبداً خالصاً لله، حراً مما سواه، وذلك حين ينخرط في سلك القوم، ويزول عنه لوث الحدوث والعدم، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وذلك بتحقيق مقام الفناء، ثم الرجوع إلى مقام البقاء. قال الشيخ أبو المواهب رضي الله عنه : من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء ؛ وذلك أن العبد حين يتصل بنور الله، ويصير نوراً من أنواره، يحترق به الباطل ويدمغ، فلا سبيل للأغيار عليه. ولذلك قال بعضهم : نحن قوم لا نعرف الشيطان، فقال له القائل : فكيف، وهو مذكور في كتاب الله تعالى، قال تعالى
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً [ فاطر : ٦ ] ؟. فقال : نحن قوم اشتغلنا بمحبة الحبيب، فكفانا عداوة العدو. وحين يتحقق العبد بهذا المقام ينخرط في سلك قوله تعالى : إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل.. الآية، وهذا لا ينال إلا بالخضوع لأهل النور، حتى يوصلوه إلى نور النور، فيصير قطعة من نور غريقاً في بحر النور.



١ أخرجه السيوطي في الجامع الصغير ٢/٤٧١..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير