والمَدُّ: هو مَطُّ الشيء وزيادته. وللعيْن مسافات تُرَى فيها المرائي؛ كُل عَيْن حَسْب قدرتها، فهناك مَنْ يتمتع ببصر قوي وحادّ، وهناك مَنْ ليس كذلك.
ويتراوح الناس في قدرة إبصارهم حسب توصيف وضعه الأطباء؛ ليعالجوا ذلك على قَدْر استطاعتهم العلمية. وفي المثَل اليومي نسمع مَنْ يقول «فلان عنده بُعْد نظر» أي: يملك قدرة على أن يقيسَ رُدود الأفعال، ويتوقّع ما سوف يحدث، وما يترتَّب على نتائج أيِّ فعل.
والمراد بمَدِّ العين ليس إخراج حبة العين ومدِّها؛ ولكن المراد إدامة النظر والإمعان، ولكن الحق سبحانه عبَّر في القرآن هذا التعبير، وكأن الإنسان سيخرج حبَّة عينه ليجري بها، وليُمعِن النظر، وهذا ما يفهم من منطوق الآية، والمنطوق يشير إلى المفهوم المراد، وهذا عين الإعجاز.
وكلمة «متاع» تفيد أن شيئاً يُتمتَّع به وينتهي، ولذلك يُوصَف متاع الدنيا في القرآن بأنه متَاعُ الغرور، أي: أنه متاع موقوت بلحظة.
وقول الحق سبحانه:
أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [الحجر: ٨٨].
هي جَمْع زَوْج، وسبق أنْ أوضحنا أن كلمة «زوج» هي مفرد، والذكَر والأنثى حين يتلاقيان يصبح اسمهما زوجين، والحق سبحانه هو القائل: سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا [يس: ٣٦].
والأزواج كلُّها تعني الفرد، ومعه الفرد من كل صنف من الأصناف. المراد بكلمة أزواج هنا أن المخالفين لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كانوا شِلَلاً شِللاً؛ ضال ومضل؛ وضال آخر معه مُضِل.
ولحظة الحساب سيقول كل منهم: قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١].
وهكذا كانت كلمة «أزواج» تدل على أصناف متعددة من الذين يقفون معاندين لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ومُنكِرين لمنهجه.
وفي موقع آخر من القرآن يكشف سبحانه عَمَّنْ أغوتْهم الشياطين، ويحشرهم الحق سبحانه مع الشياطين في نار جهنم: وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس [الأنعام: ١٢٨].
أي: يا معشرَ الجنِّ قد استطعتُم أنْ تُوحوا لكثير من الإنس بالغواية والمعصية، ليكونوا أولياءكم، وهكذا نجد أن كل جماعة تتفق على شيء نُسمِّيهم أزواجاً.
وهنا يُوضِّح الحق سبحانه: إياكَ أنْ تَمُدَّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم، لأننا أعطيناك أعلى عطاءٍ، وهو معجزة القرآن حارس القيم، والذي يضمُّ النَّهْج القويم.
ويتابع سبحانه:
وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [الحجر: ٨٨].
ويُقال: حزنت منه، وحَزِنت عليه، وحَزِنت له؛ فمَنْ ناله ما يُحزن، ولم يَصْدُر عنك هذا السبب في حزنه؛ فأنت تقول له «حَزِنت لك».
وآخر ارتكب فِعْلاً يُسِيء إلى نفسه؛ فأنت تحزن عليه. ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَزِن عليهم؛ فقد كان يُحِبّ أنْ يؤمنوا، وأنْ يتمتعوا بالنعمة التي يتمتع هو بها.
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].
فمِنْ رأفته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صَعُبَ على نفسه أنْ ينَال قومه مشقةٌ؛ فالرحمة
والرأفة مصدرها ما وهبه الله إياه من فَهْم لقيمة نعمة الإيمان.
وفي آية أخرى يقول سبحانه لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً [الكهف: ٦].
أي: أنه لن ينقصَ منك شيء في حالة عدم إيمانهم، ولن يزيدك إيمانهم أجراً؛ ذلك أن عليك البلاغَ فقط؛ فلماذا تحزن على عدم إيمانهم؟
وقول الحق سبحانه هنا:
وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [الحجر: ٨٨].
دليل على أن رسول الله صل الله عليه وسلم كان حريصاً على أن يُؤمِن قومه، محبةً فيهم، وليتعرَّفوا على حلاوة الإيمان بالله. وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يتألم ويحز في نفسه عدم إيمانهم، لدرجة أن الحق سبحانه قال له في آية أخرى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء: ٣ - ٤].
وهنا يُوضِّح الحق سبحانه لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن إيمانهم ليس أمراً
صعباً عليه سبحانه؛ ذلك أنه قادر أنْ ينزِّل آية من السماء تجعلهم خاضعين؛ مؤمنين؛ لكنه سبحانه يحب أن يأتيه خَلْقُه محبةً، وأن يُحسِنوا استخدام ما وهبهم من خاصية الاختيار.
فسبحانه لا يقهر أحداً على الإيمان به؛ فالإيمان عَمَل قلوب، وسبحانه لا يريد قوالب، وإنما يريد قلوباً خاشعة، ولو شاء سبحانه من خَلْقه أنْ يأتوه طواعية؛ فالقهر من القاهر يُثبِت له القدرة، ولكن أنْ يأتيَ الخَلْق إلى خالقهم طواعية؛ فهذا يُثبت له المحبوبية.
والحق سبحانه يريد أن يكون الإيمان نابعاً من محبوبية العابد للمعبود؛ ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [الحجر: ٨٨].
ثم يُوجِّه له الأمر بأنْ يُوجّه طاقة الحنان والمودَّة التي في قلبه إلى مَنْ يستحقها، وهم المؤمنون برسالته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ وعليه أنْ يخفضَ جناحه للمؤمنين.
فكُلُّ حركة من الإنسان هي نزوع يتحرَّك من بعد وُجدْان، والوُجْدان يُولِّد طاقة داخلية تُهيئ للنزوع وتدفع إليه، فإن حزن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعدم إيمان صناديد قريش برسالته؛ فهذا الحُزْن إنما يخصم ويأخذ من طاقته؛ فيأتيه الأمر من الحق سبحانه أن يُوفِّر طاقته، وأنْ يُوجِّهها لمَنْ آمن به؛ وأن يخفِضَ جناحه لهم.
وخَفْض الجناح هو التواضُع؛ ذلك أن الجناحَ هو الجانب، فحين
يأتيك إنسانٌ تريد أنْ تتكبَّر عليه؛ فهو يقول «فلان لَوَى عنِّي جانبه».
وهكذا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يتواضع مع المؤمنين؛ وأنْ يتوجه إليهم لا باستقامة قالبه، بل أن ينزل هذا القالب قليلاً
وكلمة: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ [الحجر: ٨٨] مأخوذة من خَفْض جناح الطائر، فالطائر يرفع جناحه عند الطيران، ولكن ما أنْ يلمسَ هذا الطائر فَرْخَه الصغير حتى يَخفِض جناحه له ليضمه إليه.
إذن: فالطاقة التي كنتَ تُوجِّهها يا رسول الله إلى مَنْ لا يستحق؛ عليك أنْ تُوجِّهها لِمَنْ يستحقها، فيكفيك أن تُبلِّغ الناس جميعاً برسالتك؛ ومَنْ يؤمن منهم هو مَنْ يستحق طاقةَ حنانِك ورحمتك.
وخَفْض الجناح لِمَنْ آمن برسالتك لا يورثه كِبْراً عليك؛ بل يزيده أدباً معك.
وقد جاء في الأثر: «إذا عَزَّ أخوك فَهُنْه» أي: أنك إذا رأيتَ أخاك في وضع يعِزّ عليك، فَهُنْ له أنت.
ومن قبل الإسلام قال الشاعر العربي:
صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ... وقُلْنا القَوْمُ إخْوانُ
عَسَى الأيامُ أنْ يَرْجِعْ... نَ قَوْماً كَالذِي كَانُوا
فَلمَّا صَرَّح الشَّر... فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ
مَشَيْنَا مِشْيَةَ الليْثِ... غَدا والليْثُ غَضْبَان
بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ... وتَخْضِيعٌ وإقرانُ
وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ... غَدَا والزِّق مَلآنُ
وَفِي الشَّرِّ نَجَاة حِي... ينَ لاَ يُنجِيكَ إحسَانُ
وَبعضُ الحلمِ عِنْدَ الجَه... لِ لِلْذلةِ إذْعَانُ
ونجد القرآن حينما يطبع خلق المؤمن بالله وبالمنهج؛ لا يطبعه بطابع واحد يتعامل به مع كل الناس، بل يجعل طَبْعه الخُلقي مطابقاً لموقف الناس منه، فيقول: أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين [المائدة: ٥٤].
ويقول أيضاً في وصف المؤمنين: أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩].
وهكذا لم يطبع المؤمن على الشدة والعزة، بل جعله يتفاعل مع المواقف؛ فالموقف الذي يحتاج إلى الشدة فهو يشتد فيه؛
والموقف الذي يحتاج إلى لِينٍ فهو يلين فيه.
والحكمة الشاعرة تقول:
وَوَضْعُ النَّدى في مَوضْعِ السَّيف بالعلي مضر... كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضعِ النَّدَى
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: وَقُلْ إني... .
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي