ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ

قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .
فيه مسألتان :
المسألة الثامنة والأربعون : في أن السنة محفوظة من الضياع والتحريف والتبديل مثل القرآن الكريم.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم محفوظة بحفظ الله تعالى من أن يضيع منها شيء، أو يختلط بها ما ليس منها اختلاطا لا يتميز عند أحد من الناس بيقين ؛ ذلك أن كلا من القرآن والسنة وحي، والوحي ذكر، وقد تكفل الله تعالى بحفظ الذكر، فشمل ذلك السنة المطهرة.
قال ابن حزم : والقرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما.
قال تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال تعالى : قل إنما أنذركم بالوحي ١ فأخبر تعالى كما قدمنا أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم وحي، والوحي بلا خلاف ذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن.
فصح بذلك أن كلامه صلى الله عليه وسلم كله محفوظ بحفظ الله عز وجل، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء، إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله، فلله الحجة علينا أبدا...
قال الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم : وما ينطق عن الهوى إن هو إلى وحي يوحى ٢ وقال تعالى آمرا لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول :{ إن أتبع
إلا ما يوحى إلي }٣ وقال تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ٤ وقال تعالى : لتبين للناس ما نزل إليهم ٥
فصح أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين كله وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه، وألا يحرف منه شيء أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه، إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبا، وضمانه خائسا، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل.
فوجب أن الدين الذي أتانا به محمد صلى الله عليه وسلم محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل من طلبه مما يأتي أبدا إلى انقضاء الدنيا، قال تعالى : لأنذركم به ومن بلغ ٦
فإن قال قائل : إنما عنى بذلك القرآن وحده، فهو الذي ضمن تعالى حفظه لسائر الوحي الذي ليس قرآنا.
قلنا له – وبالله تعالى التوفيق - : هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان فهو باطل ؛ لقوله تعالى : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ٧
فصح أن لا برهان له على دعواه، فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن. ٨ اه
المسألة التاسعة والأربعون : في حكم خبر الواحد.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل معا ؛ لأن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين كله وحي، وكل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر، والذكر محفوظ بحفظ الله تعالى من الضياع، أو تحريف شيء منه تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه.
قال ابن حزم : قال أبو سليمان، والحسين بن علي الكرابيسي٩، والحارث بن أسد المحاسبي١٠، وغيرهم : إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل معا. وبهذا نقول.
وقد ذكر هذا القول أحمد بن إسحاق المعروف بابن خُويزمنداد١١ عن مالك بن أنس وقال الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج : إن خبر الواحد لا يوجب العلم.
ومعنى هذا عند جميعهم أنه قد يمكن أن يكون كذبا أو موهوما فيه، واتفقوا كلهم في هذا، وسوى بعضهم بين المسند والمرسل.
وهذا حين نأخذ – إن شاء الله تعالى – في إيراد البراهين على أن خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الشريعة يوجب العلم، ولا يجوز فيه ألبتة الكذب ولا الوهم، فنقول – وبالله تعالى التوفيق : قال الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ١٢ وقال تعالى آمرا لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول : إن أتبع إلا ما يوحى إلي ١٣ وقال تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ١٤ وقال تعالى : لتبين للناس ما نزل إليهم ١٥
فصح أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله في الدين وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون أن لا يضيع منه، وألا يحرف منه شيء أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه ؛ إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبا، وضمانا خائسا، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل، فوجب أن الدين الذي أتانا به محمد صلى الله عليه وسلم محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل من طلبه مما يأتي أبدا إلى انقضاء الدنيا.
قال تعالى : لأنذركم به ومن بلغ ١٦ فإذ ذلك كذلك فبالضروري ندري أنه لا سبيل ألبتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين ؛ إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون كذبا، ووعدا مخلفا، وهذا لا يقوله مسلم١٧. اه

١ الأنبياء (٤٥)..
٢ النجم (٣-٤)..
٣ الأحقاف (٩)..
٤ الحجر (٩)..
٥ النحل ٤٤..
٦ الأنعام (١٩)..
٧ البقرة (١١١)..
٨ الإحكام في أصول الأحكام (المجلد ١/٩٤-٩٥، ١١٤ – ١١٥) باختصار..
٩ أبو علي، كان إماما جليلا، تفقه أولا على مذهب أهل الرأي، ثم تفقه للشافعي، وسمع منه الحديث ومن غيره، تكلم فيه الإمام أحمد لقوله: لفظي بالقرآن مخلوق. وتكلم هو أيضا في الإمام أحمد، فتجنب الناس الأخذ عنه. توفي سنة (٢٤٥ ٩ هـ) انظر: طبقات الشافية الكبرى ٢/١١٧..
١٠ أبو عبد الله، كان عالما بالأصول والمعاملات، ومن أكابر الصوفية، واعظا مبكيا، هجره الإمام أحمد لتكلمه في الكلام، له تصانيف في الزهد، توفي سنة (٢٤٣ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٨/٢١١، والأعلام، للزركلي ٢/١٥٣،.
١١ الصحيح: أنه محمد بن أحمد بن عبد الله البصري، المالكي، المعروف بابن خويزمنداد، تفقه بأبي بكر الأبهري، صنف في الخلاف، وأصول الفقه، وأحكام القرآن، وله اختيارات شاذة، توفي سنة (٣٩٠ هـ) انظر: الديباج المذهب ص (٣٦٣)، وشجرة النور الزكية ص (١٠٣)..
١٢ النجم (٣-٤)..
١٣ الأحقاف (٩).
١٤ الحجر (٩)..
١٥ النحل (٤٤)..
١٦ الأنعام (١٩)..
١٧ الإحكام في أصول الأحكام (المجلد ١/١١٢-١١٤) باختصار..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير