المعنى الجملي : بعد أن هدد سبحانه الكافرين وبالغ في ذلك أيما مبالغة – شرع يذكر بعض مقالاتهم في محمد صلى الله عليه وسلم المتضمنة للكفر بما جاء به، ثم يذكر ما هم فيه من جحود وعناد بلغا مدى تنكر معه المشاهدات، ويدعى معه السحر والخداع حين رؤية المبصرات.
ثم ذكر سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم تسلية له ما صدر منهم من السفه ليس بدعا، فهذا دأب كل محجوج، فكثير من الأمم السالفة فعلت مثل هذا مع أنبيائها، فلك أسوة بهم في الصبر على سفاهتهم وجهلهم.
قال مقاتل : القائلون هذه المقالة هم عبد الله بن أمية والنضر بن الحارث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة من صناديد قريش.
ثم أجاب سبحانه عن قولهم الأول، وردّ إنكارهم تنزيل الذكر واستهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلاّه على ذلك بقوله :
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون أي إنما أنتم قوم ضالون مستهزئون بنبينا، وليس استهزاؤكم بضائره، لأنا نحن نزلنا القرآن ونحن حافظوه، فقولوا إنه مجنون، ونحن نقول : إنا نحفظ الكتاب الذي أنزلناه عليه من الزيادة والنقص، والتغيير والتبديل، والتحريف والمعارضة، والإفساد والإبطال. وسيأتي في مستأنف الأزمان من يتولون حفظه والذب عنه، ويدعون الناس إليه، ويستخرجون لهم ما فيه من عبر وحكم، وآداب وعلوم، تناسب ما تستخرجه العقول من المخترعات، وتستنبطه الأفكار من نظريات وآراء فيستنير بها العارفون، ويهتدي بهديها المفكرون، فلا تبتئس أيها الرسول بما يقولون وما يفعلون.
ثم سلّى رسوله عما أصابه من سفه قومه وادعائهم جنونه – بأن هذا دأب الأمم المكذبة لرسلها من قبل، فلقد أصابهم مثل ما أصابك من قومك، فاستهزؤوا بهم كما استهزأ قومك بك، فنصرنا رسلنا وكبتنا أعداءهم، وسيكون أمركم وأمرهم كذلك، وإلى ذلك أشار بقوله :
تفسير المراغي
المراغي