ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ

٧٥٤- قال النصارى : المسلمون ليسوا ثقة مما بأيديهم من القرآن. وهم يعتقدون أنه لا خلل فيه. وبيانه : أن عبد الله بن مسعود١ -رضي الله- كان من أجل الصحابة حتى قال فيه صلى الله عليه وسلم : " رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد " ٢. وقد خالفهم في القرآن وخالفوه حتى أوجعه عثمان– رضي الله عنه- ضربا. ولو كان القرآن مقطوعا به لما وقع فيه الخلاف بين الصحابة وهم حديثو العهد بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن القطع يمنع وقوع الخلاف، كما لا يختلف العقلاء في وجود بغداد ولا في أن الواحد نصف الاثنين. وإذالم يحصل للصحابة القطع لم يحصل لغيرهم بطريق الأولى لأنهم أصل لغيرهم والفرع لا يكون أقوى من الأصل. وقد أثبت ابن مسعود رضي الله عنه- ما نفاه غيره من القراءات الشاذة، وأثبتوا هم ما نفاه هو، وهو المعوذتان، فكان عبد الله ينفيهما٣.
وإذا وقع مثل هذا الاختلاف العظيم نفيا وإثباتا اختلت الثقة بجملة القرآن.
والجواب : أن هذا السؤال أورده بعض المرتدة عن الإسلام بعد أن أسلم، وكان يعتقد أنه من الأسئلة العظيمة والمثالب الفاحشة. وليس الأمر كما ظنه، بل أضله الله تعالى على علم، فنظر بعين البغضاء، وتكلم بلسان الشحناء، فران على قلبه هواه، فلم يتميز له صوابه من خطإه.
والذي اتفق بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ليس – لأن القرآن غير معلوم عندهم- بل هو معلوم متواتر خلفا وسلفا لقوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقوله : ومن أصدق من الله حديثا ٤.
وإنما اختلوا رضي الله عنهم في أن ابن مسعود كان يقرأ القرآن ويضم إليه تفسيره نحو قوله تعالى : فصيام ثلاثة أيام ٥ كان يقرؤها : متتابعات٦، وغير ذلك مما كان رضي الله عنه يعتقد أنه تفسير لتلك الآيات التي نازعوه فيها حرصا منه على بيان معناها.
فكانوا هم يحرصون على أن لا يضاف للقرآن غيره، حذرا مما اتفق لأهل الكتاب في كتابهم، ففسر حالهم، وكان الصواب معهم – رضي الله عنهم- فميزوا كلام الله تعالى عن غيره. ولم يخلطوه بسواه، فسلم من الغلط والزلل. وهذا هو الحزم الذي وفق الله تعالى له هذه الأمة. ولذلك أجمعوا فيما أعلم على أنه لا يجوز أن يكتب فواتح السور بالمداد، بل بصبغ آخر حذرا من أن يعتقد أنها من القرآن٧. وهذا غاية العناية من الله تعالى بهذه الأمة. وهو المحمود المشكور على نعمه السابغة. وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. فهذه هي القراءات الشاذة، ومنها القراءات بالمعنى نحو القراءة في قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم صراط من أنعمت عليهم ٨ بدلا من قوله : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ٩ فرفض ذلك غاية الرفض حرصا على نفس اللفظ وإبعادا لذرائع التغيير والتبديل، فهذا من فضل محاسن هذه الأمة لا من مساوئها، ومن فضائلها لا من رذائلها، وأما المعوذتان، فكان ابن مسعود يريد أن يفردهما عن القرآن ليقرأهما الجنب وغيره للتعوذ، حتى يتميز ما يشترط فيه الطهارة من القرآن عما لا يشترط. فهذا وجه اجتهاده رضي الله عنه.
ورأى الصحابة رضي الله عنهم أن إفراد شيء من القرءان عن القرآن ذريعة ووسيلة على إسقاط بعض القرآن فمنعوا منه وكان الحزم معهم رضي الله عنهم، فظهر حينئذ أن السؤال سراب، والجاهل يعتقد أنه صواب، فبنى على منواله في الضلال، وقنع بزخارف الأقوال، وسيعلم إذا انكشف الغبار فرسا ركب أم حمار. ( الأجوبة الفاخرة : ٢٧٣ إلى ٢٧٧ ).
٧٥٥- قالوا : المسلمون يعيرونا بأن أناجيلنا أربعة عن أربعة مختلفين. وقرآنهم عن سبعة قراء مختلفين اختلافا شديدا أكثر مما بين الأناجيل من اختلافات بكثير. ويعترفون أن القراءات أكثر من سبع وإنما هذه السبعة اتفق اشتهارها، فلهم حينئذ سبعة كتب مروية، بل عشرة، بل أكثر من ذلك عن أناس شتى. فهم أشد اختلافا في كتابهم منا في كتابنا بالضرورة، فلا معنى لإنكارهم علينا ما وقع في كتابنا من الاختلاف فإنه عندهم أعظم.
والجواب : ما قال الشاعر :
أكل امرئ تحسبين امرءا*** ونار توقد بالليل نارا
هيهات ما كل سوداء فحمة ولا كل بيضاء شحمة. أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه العزيز على خير رسله بلغة قريش، وقبائل العرب مختلفة اللغات في الإمالة والتفخيم والمد والقصر والجهر والإخفاء وإعمال العوامل الناصبة والرافعة والجارة، فلو كلفوا كلهم الحمل على لغة واحدة لشق عليهم ذلك، فسأل عليه السلام ربه أن يجعله على سبع لغات لتتسع العرب ويذهب الحرج، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، فأنزلت القراءات لذلك، فكلها مروية عنه عليه السلام، متواترة. فنحن عل ثقة في جميعها، وأنها عن الله تعالى وبإذنه متلقات عن خير رسله. ( الأجوبة الفاخرة : ٢٧٩-٢٨١ ).

١ - هو عبد الله بن مسعود الهذلي، أبو عبد الرحمان، الصحابي المعروف، أحد كتبه الوحي والقراء المشهورين من الصحابة (ت: ٣٢ هج) ن: شجرة النور: ٢/٨٣..
٢ - ن: تخريجه في: مجمع الزوائد: ٢٩٠، ح: ٩. والمستدرك: ٣/٣١٧..
٣ - شبهة ضرب عثمان لابن مسعود ونفيه لقرآنية المعوذتين تصدى لها ولمثيلاتها العلماء بالتنفيذ. ن: الإتقان للسيوطي: ١/٢٩٨ وما بعدها. ومناهل العرفان للزرقاني: ١/٢٧٥ وما بعدها، وغيرهما من مؤلفات علوم القرآن..
٤ - سورة النساء: ٨٧..
٥ - سورة المائدة: ٩١..
٦ - حكى هذه القراءة مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود، وقال إبراهيم في قراءة عبد الله بن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها كذلك... ن: تفسير ابن كثير: ١/١٤٦..
٧ - يقصد كتاب البسملة، وهي مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة، وليس أمرا مجمعا عليه. ن: تفسير ابن كثير: ١/٢٧ وما بعدها. و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" لأبي طالب القيسي: ١/١٢- ٢٤. والذخيرة: ٢/١٧٦- ١٨١. كما نحيل على ما جمعناه في هذه الرسالة ص: ٢ وما بعدها..
٨ - بها قرأ ابن مسعود، وعمر وابن الزبير، ن: البحر المحيط: ١/٢٨..
٩ - سورة الفاتحة: ٦ كلمة "اهدنا" زيادة من المؤلف..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير